الجمعة، 2 نوفمبر، 2012

الذره تتحدي العشوائيه و الصدفه الجزء الاول

إنك - بجسمك المكون من ذرات - تتنفس الذرات في الهواء، وتأكل الذرات في الطعام، وتشرب ذرات الماء. وما تراه ليس سوى تصادم إلكترونات الذرات في عينك بالفوتونات. وماذا عما تشعر به عن طريق اللمس؟ إن الإحساسات التي تشعر بها تتكون ببساطة عن طريق تنافر الذرات في جلدك مع ذرات الأشياء.

وفي الواقع، فإنه لا يكاد يوجد إنسان لا يعرف أن جسمه، والكون، والعالم، وباختصار كل شيء يتكون من ذرات. ومع ذلك، فربما لم يفكر أغلب الناس حتى الآن مطلقا في طبيعة النظام الذي يمتلكه ذلك الكيان الذي نسميه ''الذرة''. أو حتى إذا كانوا قد فكروا، فإنهم لم يشعروا بالحاجة إلى تقصي هذه المسألة، لأنهم يعتقدون دائما أن هذا الأمر يعني الفيزيائيين وحدهم.

ومع ذلك، فإن الإنسان يعيش طوال حياته ملتحمًا مع هذا النظام المحكم. إن هذا نظام يبلغ من الدقة والإحكام ما يجعل كل ذرة من تريليونات الذرات التي يتكون منها الكرسي الذي نجلس عليه تتمتع بنظام يمكن أن يُكتب عنه كتاب كامل. إننا نحتاج إلى أن نملأ صفحات حتي نصِف تكوين ذرة واحدة فقط ونظامها وطاقتها. وفي هذا الكتاب، نعرض استحالة احتمال التكوُّن التلقائي للذرة، الوحدة البنائية لكل شيء سواء أكان حيا أم غير حي، ويثبت الطبيعة البديعة، المنزهة عن كل نقص، لخلق الله العلي القدير


مقدمة

''لماذا؟ ''
بمجرد العثور على إجابة، سيكون هذا السؤال مفتاحا لبوابة تؤدي بالمرء إلى عالم مختلف تماما· ويشكل هذا السؤال، في الوقت نفسه، خيطا رفيعا يفصل أولئك الذين يعلمون عن أولئك الذين لا يعلمون ·

وفي العالم الذي نعيش فيه، تنشغل البشرية بالبحث المستمر عن إجابات للعديد من الأسئلة مثل ''ماذا؟''، و''كيف؟''، و''بأية طريقة؟''، ولكنها لم تستطعْ أن تحرز سوى قدر ضئيل من التقدم في الإجابة عليها·ومن غير المحتمل أن يصل الإنسان إلى الحقيقة ما لم يسأل نفسه ''لماذا؟'' يوجد كل هذا النظام والتوازن الرائعين اللذين يتفاعل معهما ·


وفي هذا الموضوع ، سوف نتناول موضوع ''الذرة''، أساس كل شيء حي وغير حي· وبعد أن نرى ما يحدث في الذرة والكيفية التي يحدث بها، سوف نبحث عن إجابات للسؤال ''لماذا؟''· وستأخذنا إجابات هذا السؤال إلى الحقيقة التي ننشدها· وسنجد إجابات لهذا السؤال في القرآن الكريم، الهدى الربّاني الذي يحتوي على تفسير لكل شيء ·

منذ النصف الأول من القرن التاسع عشر، عمل مئات العلماء ليل نهار للكشف عن أسرار الذرة· ولابد من الإشارة هنا إلى أن هذه الدراسات، التي كشفت عن شكل الذرة، وحركتها، وتكوينها، وخواصها الأخرى، قد حطمت الأسس الرئيسة للفيزياء الكلاسيكية التي افترضت أن المادة كيان ليست له أية بداية أو نهاية، ووضعت أسس الفيزياء الحديثة، وأدت أيضا إلى ظهور العديد من الأسئلة·وفي النهاية، اتفق العديد من الباحثين الفيزيائيين على إجابات لتلك الأسئلة، على أن هناك نظاماً مثالياً، وتوازناً تاماً، وتصميماً واعياً في الذرة، كما هو الحال في كل شيء آخر في الكون · وقد ظهرت هذه الحقيقة في القرآن الكريم الذي أنزله الله سبحانه وتعالي قبل أربعة عشر قرنا· وكما هو واضح من آيات القرآن، يعمل الكون بأكمله بنظام مثالي لأن الأرض، والسماء، وكل شيء بينهما من خلق الله الذي يملك قوة وحكمة لا حدود لهما



ولا يوجد بالتأكيد ما يدعو إلى العجب في أن كل شيء خلقه الله يتسم بتميز رائع ويسير بنظام لا عيب فيه· وفي الواقع، فإن ما يدعو إلى الدهشة حقا هو استمرار الإنسان في عدم إحساسه بالمعجزات العديدة التي يقابلها ويراها ويسمعها ويعرفها - بما في ذلك جسمه - ولامبالاته ''بالسبب'' الكامن وراء التركيب المعجز لهذه الموجودات ·

وعلى الرغم من أن موضوع ''معجزة الذرة '' يبحث في موضوع علمي، فإن الهدف منه يختلف عن الهدف من الكتب العلمية التقليدية· إذ يتناول ''الذرة''، التي يتمثل تفردها في كونها وحدة بناء للأشياء الحية وغير الحية على حد سواء، من خلال الأسئلة ''ماذا؟''، و''كيف؟''، و''بأية طريقة؟''، مما يفتح بابا للإجابة على السؤال ''لماذا؟''· وبمجرد أن نتخطى هذا الباب، سوف يتكشف لنا جميعا السمو في حكمة الله، ومعرفته، وخلقه


الفصل الأول

مغامرة تكوين الذرة

يعمل الكون، الذي تتخطى أبعاده الشاسعة حدود الإدراك الإنساني، دون توقف، ويستند إلى توازنات حساسة في إطار نظام عظيم، وقد ظل على هذه الحال منذ اللحظة الأولى لتكوينه· ولطالما كان الناس بمختلف أعمارهم، وما زالوا، يهتمون بأسئلة مثل: كيف نشأ هذا الكون الهائل؟ وإلى أين يتجه؟ وكيف تعمل القوانين التي تحافظ على النظام والتوازن بداخله؟ لقد أجرى العلماء بحوثا لا حصر لها حول هذه الموضوعات وتوصلوا إلى براهين ونظريات متباينة· وبالنسبة إلى العلماء الذين تدبروا النظام والتصميم الموجودين في الكون باستخدام عقولهم وضمائرهم، فإنهم لم يجدوا صعوبة على الإطلاق في تفسير هذا الكمال· ذلك أن الله، القوي، المهيمن على الكون كله، خلق هذا التصميم الكامل وهذا أمر واضح وجلي لكل من كان قادرا على التفكر والتدبر· ويعلن الله هذه الحقيقة البينة في آيات القرآن الكريم :

إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلاَفِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لآيَاتٍ لِّأُوْلِي الألْبَابِ .
آل عمران: ·190

ومع ذلك، يواجه أولئك العلماء الذين يتجاهلون أدلة الخلق صعوبة كبيرة في الإجابة على هذه الأسئلة التي لا تنتهي· وهم لا يترددون في اللجوء إلى الغوغائية، والنظريات الكاذبة التي لا تستند إلى أي أساس علمي، بل وحتى إلى الخداع، إذا وضعوا في موقف حرج، لكي يدافعوا عن نظريات مناقضة تماما للواقع· ومع ذلك فإن جميع التطورات التي حدثت في دنيا العلوم مؤخرا، حتى بداية القرن الحادي والعشرين، تقودنا إلى حقيقة واحدة هي: لقد تم خلق الكون من العدم بمشيئة الله، الذي يمتلك القدرة السامية والحكمة المطلقة ·
خلق الكون

مضت قرون والناس يبحثون عن إجابة للسؤال التالي: ''كيف نشأ الكون؟''· فقد قُدمت على مدار التاريخ آلاف النماذج لنشأة الكون ووُضعت آلاف النظريات· ومع ذلك، يتبين من استعراض هذه النظريات أنها جميعًا تقوم في جوهرها على أحد نموذجين مختلفين· يدور النموذج الأول حول فكرة الكون اللامحدود الذي لا بداية له، وهو ما لم يعد له أي أساس علمي· في حين يدور النموذج الثاني حول فكرة نشأة الكون من العدم، وهو ما يعترف به المجتمع العلمي حاليا بوصفه ''النموذج المعياري ''·

لقد دافع النموذج الأول، الذي ثبت عدم قدرته على الصمود، عن الافتراض القائل بأن الكون قد وجد منذ وقت غير محدد وسيظل موجودا على حالته الراهنة إلى ما لا نهاية· ولقد تكونت فكرة الكون اللامحدود هذه في اليونان القديمة، ووصلت إلى العالم الغربي نتيجة للفلسفة المادية التي انتعشت في عصر النهضة· ذلك أن جوهر عصر النهضة يكمن في إعادة البحث في أعمال المفكرين اليونانيين القدماء· ومن ثم، نُفض الغبار عن رفوف التاريخ وأُخذت منها الفلسفة المادية وفكرة الكون اللامحدود - التي تدافع عنها هذه الفلسفة - بسبب اهتمامات فلسفية وأيديولوجية، وقدمت للناس وكأنها حقائق علمية ·

وقد اعتنق هذه الفكرة بحماس فلاسفة ماديون من أمثال كارل ماركس وفردريك إنجلز، لأنها أعدت أساسا متينا ظاهريا لأيديولوجياتهم المادية، الأمر الذي لعب دورا مهما في تقديم هذا النموذج إلى القرن العشرين ·

ووفقا لنموذج ''الكون اللامحدود'' الذي حظي بقبول كبير خلال النصف الأول من القرن العشرين، فإنه ليس للكون بداية ولا نهاية، كما أن الكون لم ينشأ من العدم، ولن يفنى أبدا· ووفقا لهذه النظرية، التي شكلت أيضا أساس الفلسفة المادية، يتسم الكون بتركيب سكوني· ولكن فيما بعد، كشفت نتائج البحوث العلمية أن هذه النظرية خاطئة وغير علمية على الإطلاق· فالكون لم يوجد بدون بداية؛ بل كانت له بداية كما أنه نشأ من العدم ·


ولطالما كانت فكرة الكون اللامحدود، أي الذي ليس له بداية، نقطة بداية للزندقة والأيديولوجيات التي ترتكب خطأ إنكار وجود الله جل جلاله· ذلك أن أصحاب هذه الأيديولوجيات يعتقدون أنه إذا لم يكن للكون بداية، فلن يكون له خالق أيضا· ولكن سرعان ما كشف العلم بأدلة دامغة أن حجج الماديين هذه باطلة وأن الكون قد بدأ بانفجار يعرف بالانفجار العظيم Big Bang. وكان لنشأة الكون من العدم معنى واحد فقط: ''الخلق''، أي أن الله القوي خلق الكون كله ·



لقد كان الفلكي البريطاني الشهير، سير فريد هويل Sir Fred Hoyle من بين أولئك الذين أزعجتهم هذه الحقيقة· فقد قبل هويل تمدد الكون في نظرية ''الحالة المستقرة'' التي قدمها، ولكنه رأى أن الكون لامحدود في مداه وليست له بداية ولا نهاية· ووفقا لهذا النموذج، كلما تمدد الكون، نشأت المادة تلقائيا وبالكميات المطلوبة· وتجدر الإشارة إلى أن هذه النظرية، التي قامت على فرضيات غير علمية على الإطلاق، وتطورت بسبب الاهتمام بشيء واحد فقط هو دعم فكرة ''الكون اللامحدود الذي ليس له بداية أو نهاية''، ناقضت بشكل مباشر نظرية الانفجار العظيم، التي ثبت علميا من خلال عدد كبير من الملاحظات أنها أقرب إلى الواقع· وظل هويل وآخرون يقاومون هذه الفكرة ولكن جميع التطورات العلمية كانت تعمل ضدهم


نشأ الكون من العدم نتيجة لانفجار عظيم. وقد ظهر نظام الكون المتقن الحالي بسبب تناثر جميع الجسيمات والقوى التي تكونت بتوافق ونظام هائلين منذ اللحظة الأولى لهذا الانفجار الكبير.


لقد تحققت خطوات كبيرة في مجال علم الفلك خلال القرن العشرين· أولا، اكتشف الفيزيائي الروسي ألكسندر فريدمان Alexandre Friedmann في سنة 1922 أن الكون لا يتسم بتركيب سكوني· وانطلاقا من نظرية النسبية التي قدمها أينشتاين ، بينت حسابات فريدمان أنه حتى النبضة الصغيرة يمكن أن تؤدي إلى تمدد الكون أو انكماشه· وكان جورج لومتر Georges Lemaître ، أحد أشهر الفلكيين البلجيكيين، أول من أدرك أهمية هذه الحسابات التي أوصلته إلى الاستنتاج بأن الكون له بداية وأنه في حالة تمدد مستمر منذ بدء نشأته· وقد أثار لومتر موضوعا آخر في غاية الأهمية؛ إذ يرى أن من المفترض أن يوجد فائض إشعاعي متبق من الانفجار العظيم وأن هذا الفائض من الممكن تعقب أثره· وكان لومتر واثقا أن تفسيراته صحيحة على الرغم من أنها لم تلق في البداية دعما كبيرا من الأوساط العلمية· وفي غضون ذلك، بدأت تتجمع المزيد من الأدلة على أن الكون يتمدد· وفي ذلك الوقت، استطاع الفلكي الأمريكي إدوين هابل Edwin Hubble ، من خلال رصده لعدد من النجوم بواسطة تلسكوبه الضخم، أن يكتشف أن النجوم تصدر انزياحا أحمر يعتمد على بعدها عن الأرض· وبهذا الاكتشاف، الذي توصل إليه هابل في مرصد ماونت ويلسون Mount Wilson Observatory بكاليفورنيا، تحدى جميع العلماء الذين وضعوا نظرية الحالة المستقرة ودافعوا عنها، وهز الأسس الرئيسية لنموذج الكون الذي كان سائدا حتى ذلك الوقت ·


واعتمدت اكتشافات هابل على القاعدة الفيزيائية التي تقضي بأن أطياف الأشعة الضوئية المتجهة نحو نقطة الرصد تميل نحو اللون البنفسجي في حين أن أطياف الأشعة الضوئية المتجهة بعيدا عن نقطة الرصد تميل نحو اللون الأحمر· وقد بين ذلك أن الأجرام السماوية التي رصدت من مرصد ماونت ويلسون بكاليفورنيا كانت متجهة بعيدا عن الأرض· وكشفت المزيد من عمليات الرصد أن النجوم والمجرات لا تتسابق لتبتعد عنا فحسب، بل تتسابق لتبتعد عن بعضها البعض أيضا· وقد أثبتت حركة الأجرام السماوية هذه مرة أخرى أن الكون يتمدد· وفي كتاب كَوْن ستيفن هوكنج Stephen Hawking's Universe ، يروي ديفيد فيلكين David Filkin قصة شائقة عن هذه التطورات :


''في غضون عامين، سمع لومتر أخباراً كان نادراً ما يجرؤ على أن يأمل في سماعها· لقد اكتشف هابل أن انزياح الضوء المنبعث من المجرات كان انزياحاً أحمر، ووفقا لظاهرة دوبلر، كان هذا لا بد أن يعني أن الكون في حالة تمدد· والآن أصبحت المسألة مسألة وقت· فقد كان أينشتاين على أية حال مهتمًّا بعمل هابل وقرر أن يزوره في مرصد ماونت ويلسون· فرتب لومتر لإلقاء محاضرة في معهد كاليفورنيا للتكنولوجيا في الوقت نفسه، واستطاع أن يضع أينشتاين وهابل في موقف حرج· فقد ناقش بعناية نظرية ''الذرة الأولية'' التي وضعها، وخطوة خطوة، اقترح أن الكون كله قد نشأ ''في يوم لم يكن له أمس''· واستعرض بكل دقة جميع الحسابات الرياضية· وعندما انتهى من الكلام لم يستطع أن يصدق أذنيه، فقد وقف أينشتاين وأعلن أن ما سمعه لتَوِّه كان حسب تعبيره: ''أجمل التفسيرات التي استمعتُ إليها وأكثرها إقناعاً وأقرَّ أن تعيين ''الثابت الكوني'' كان ''أفدح خطإ'' ارتكبه في حياته''·





أظهر تحليل الضوء القادم من نجمي الكوكبة الجنوبية ألفا Alpha Centaurus على مدى فترة من الزمن وجود سلسلة من التغيرات في طيفيهما. وقد كشفت الطريقة التي تتغير بها الإزاحتان الحمراء والزرقاء عن صورة لنجمين يكمِّلان مدارات حول بعضهما البعض مرة كل 80 سنة.


أدوين هوبل



 


ألبرت أينشتاين خلال زيارة لمرصد ويلسون، حيث أجرى إدوين هابل عمليات الرصد الخاصة به.



إن الحقيقة التي جعلت أينشتاين، وهو أحد أهم العلماء في التاريخ، يثب واقفاً هي حقيقة أن الكون له بداية· وقد أدت عمليات الرصد التالية لتمدد الكون إلى إفساح المجال لبراهين جديدة· وبدءا من هذه النقطة، توصل العلماء إلى نموذج يجعل الكون أصغر عند العودة بالزمن إلى الوراء، وينتهي بالانكماش والالتقاء عند نقطة واحدة، حسبما يرى لومتر· ويتمثل الاستنتاج الذي يمكن التوصل إليه من خلال هذا النموذج في أنه عند نقطة زمنية معينة، سُحقت جميع المواد الموجودة في الكون مع بعضها البعض في كتلة نقطية واحدة ''منعدمة الحجم'' بسبب قوة جاذبيتها الهائلة· وقد نشأ كوننا نتيجة انفجار هذه الكتلة النقطية عديمة الحجم وأصبح هذا الانفجار يعرف باسم ''الانفجار العظيم ''
ويشير الانفجار العظيم إلى أمر آخر وهو أن القول بأن شيئاً عديم الحجم يعادل القول بأنه ''عدم''· ومن ثم، فقد نشأ الكون كله من هذا ''العدم''· وعلاوة على ذلك، توجد بداية لهذا الكون، خلافا لرأي الفلسفة المادية، التي ترى أن ''الكون موجود منذ الأزل
·

.


وفقا لظاهرة دوبلر، إذا ظلت مجرة على مسافة ثابتة من الأرض، يظهر طيف الموجات الضوئية في الوضع "القياسي" “standard” (الشكل العلوي). ولكن إذا كانت المجرة تبتعد عنا، تبدو الموجات ممدودة ومنزاحة انزياحا أحمر (الشكل الأوسط). وإذا كانت المجرة متجهة نحونا، تبدو الموجات محشورة ومنزاحة انزياحا أزرق (الشكل السفلي).
- جورج كموف


الانفجار العظيم بالأدلة


بمجرد أن أثبت العلماء حقيقة أن الكون قد بدأ في التكون بعد انفجار عظيم، أعطى ذلك دفعة أخرى لبحوث الفيزيائيين الفلكيين· ووفقاً لجورج جامو George Gamow ، إذا كان الكون قد تكون نتيجة انفجار عنيف ومفاجئ، فإنه يُفترض أن توجد كمية محددة من الإشعاع المتبقي من هذا الانفجار ويجب أن تكون هذه الكمية متناثرة في جميع أرجاء الكون ·


وفي السنوات التالية لهذه الفرضية، توالت نتائج البحوث العلمية، وأكدت جميعها حدوث الانفجار العظيم· وفي سنة ،1965 اكتشف باحثان وهما أرنو بنزِياس Arno Penzias وروبرت ويلسون Robert Wilson بالمصادفة شكلا من أشكال الإشعاع لم تتم ملاحظته حتى ذلك الحين· ويعرف هذا الإشعاع باسم ''إشعاع الخلفية الكونية ''cosmological background radiation'' ، ولم يكن يشبه أي شيء آت من أي مكان آخر في الكون لأنه كان متماثلا بشكل غير عادي· كما أنه لم يكن مركزا في مكان واحد ولم يعرف له مصدر محدد، وبدلا من ذلك، كان موزعا بالتساوي في كل مكان· وسرعان ما أدرك العلماء أن هذا الإشعاع هو من بقايا الانفجار العظيم، الذي كان لا يزال يتردد صداه منذ اللحظات الأولى لهذا الانفجار العظيم· لقد كان جامو محقا تماما، لأن تردد الإشعاع كان مساويا تقريبا للقيمة التي توقعها العلماء· وقد حصل بنزِياس وويلسون على جائزة نوبل عن اكتشافهما

الهوائي القَرْني العملاق بمختبرات بيل Bell حيث اكتشف أرنو بنزياس وروبرت ويلسون إشعاع الخلفية الكونية. وقد مُنح بنزياس وويلسون جائزة نوبل عن هذا الاكتشاف عام 1978.
-جورج سموت



لقد استغرق جورج سموت George Smoot وفريقه التابع لوكالة ناسا ثماني دقائق فقط لتأكيد مستويات الإشعاع التي وصفها بنزِياس وويلسون، وذلك بفضل القمر الاصطناعي الفضائي كوبي COBE. فقد حققت أجهزة الإحساس الموجودة على متن القمر الاصطناعي نصرا جديدا لنظرية الانفجار العظيم لأنها أثبتت وجود الشكل الحار الكثيف الذي تبقى من اللحظات الأولى للانفجار العظيم، كما سجَّل كوبي بقايا تثبت حدوث الانفجار العظيم، مما اضطر الأوساط العلمية إلى الاعتراف بصحة حدوثه ·

وكانت هناك أدلة أخرى تتعلق بالكميات النسبية للهيدروجين والهليوم الموجودة في الكون· إذ كشفت الحسابات أن نسبة غازي الهيدروجين والهليوم في الكون تتوافق مع الحسابات النظرية لما يفترض أن يتبقى بعد الانفجار العظيم ·

وقد أدى اكتشاف أدلة تحتم الاعتراف بنظرية الانفجار العظيم إلى حصول هذه النظرية على موافقة كاملة من الأوساط العلمية· ففي مقال نشر في عدد أكتوبر/ تشرين أول 1994 من مجلة ''العلوم الأمريكية '' Scientific American ، أشارت المجلة إلى أن ''نموذج الانفجار العظيم كان النموذج الوحيد المعترف به في القرن العشرين ''·

وتوالت الاعترافات الواحد تلو الآخر من أسماء دافعت عن فكرة ''الكون اللامحدود'' لسنوات· فقد قام دينيس سكياما Dennis Sciama ، المدافع عن نظرية الحالة المستقرة إلى جانب فريد هويل لسنوات، بوصف المأزق الذي وقعا فيه بعد اكتشاف الأدلة المؤيدة لنظرية الانفجار العظيم ·

لقد ذكر أنه وقف بجانب هويل في بادئ الأمر، ولكن نتيجة لتراكم الأدلة، فقد كان عليه أن يعترف بأن اللعبة قد انتهت، وبأنه يجب التخلي عن نظرية الحالة المستقرة·


الله خلق الكون من العدم


نتيجة للأدلة الوفيرة التي اكتشفها العلماء، ألقيت فرضية ''الكون اللامحدود'' في ركام نفايات تاريخ الأفكار العلمية· ومع ذلك، فقد توالى طرح المزيد من الأسئلة المهمة مثل: ما الذي كان موجودا قبل الانفجار العظيم؟ وما القوة التي استطاعت أن تحدث الانفجار العظيم الذي أدى إلى ظهور كون لم يكن موجودا من قبل؟

توجد إجابة واحدة للسؤال الخاص بما الذي كان موجودا قبل الانفجار العظيم: الله، القادر القوي، الذي خلق الأرض والسماء بنظام عظيم· لقد اضطر العديد من العلماء، سواء كانوا مؤمنين بالله أم غير مؤمنين به، إلى الاعتراف بهذه الحقيقة· وعلى الرغم من أنهم قد يرفضون الاعتراف بهذه الحقيقة على المنابر العلمية، فإن اعترافاتهم الموجودة بين السطور تفضح أمرهم· فقد قال الفيلسوف الملحد المعروف أنطوني فلو :Anthony Flew ''

من المعروف أن الاعتراف يفيد الروح، لذا سوف أبدأ بالاعتراف بأن الملحد العنيد يجب أن يربكه الإجماع الكوني المعاصر· إذ يبدو أن علماء الكونيات يقدمون إثباتات علمية على ما رأى القديس توماس أنه لا يمكن إثباته فلسفياً؛ أي، أن للكون بداية· وطالما أمكن التفكير في الكون بشكل مريح بوصفه ليس فقط بدون نهاية ولكنه بدون بداية أيضا، يظل من السهل المجادلة بأن وجوده غير المنطقي، وسماته الأساسية الغالبة أيا كانت، لا بد من قبولها بوصفها التفسير النهائي لوجوده· وعلى الرغم من أنني أؤمن بأن ذلك لا يزال صحيحا، فإنه ليس من السهل بالتأكيد ولا من المريح الاستمرار على هذا الموقف في مواجهة قصة الانفجار العظيم''·3

كما اعترف بعض العلماء من أمثال الفيزيائي المادي البريطاني إتش· بي· ليبسون H. P. Lipson بأنهم مضطرون لقبول نظرية الانفجار العظيم سواء رغبوا في ذلك أم لم يرغبوا :

''إذا لم تنشأ المادة الحية نتيجة تفاعل الذرات، والقوى الطبيعية والإشعاع، فكيف نشأت؟ أنا أعتقد، مع ذلك، أننا ينبغي أن نعترف بأن التفسير الوحيد المقبول هو الخلق· أنا أعلم أن هذا أمر بغيض بالنسبة إلى الفيزيائيين، كما هي الحال بالتأكيد بالنسبة إليّ، ولكننا ينبغي ألا نرفض ما نكرهه إذا أيدته الأدلة التجريبية''·4

يشير العلم إلى حقيقة واحدة سواء شاء الماديون أم أبوا· لقد أوجد المادة والزمن خالق قادر، خلق السماء والأرض وكل ما فيه؛ وهذا الخالق هو الإله .

مُساهمة

الإشارات القرآنية

بالإضافة إلى دوره في تفسير الكون، يحمل نموذج الانفجار العظيم مضمونا آخر مهما· فحسبما أشار أنطوني فلو فيما اقتُبس عنه أعلاه، لقد جزم العلم بشيء لم تدعمه حتى الآن سوى المصادر الدينية · وتتمثل الحقيقة التي تدافع عنها المصادر الدينية في واقع الخلق من العدم· وقد ورد ذلك في الكتب المقدسة التي كانت بمثابة المرشد للبشرية على مدى آلاف السنين· وفي جميع الكتب المقدسة مثل العهد القديم والعهد الجديد والقرآن الكريم، ورد أن الكون وكل شيء فيه قد خلقه الله من العدم ·

وفي الكتاب الوحيد الموحَى من الله، الذي نجا تماما من التحريف، أي القرآن الكريم، ورد ذكر خلق الكون من العدم وكيفية حدوث ذلك، الأمر الذي يشير إلى نظريات القرن العشرين على الرغم من أن القرآن قد نزل قبل أربعة عشر قرنا ·

في البداية، كشف القرآن الكريم عن ''خلق'' هذا الكون من ''العدم''


وقد كشف القرآن عن نقطة أخرى مهمة قبل أربعة عشر قرنا من الاكتشاف الحديث للانفجار العظيم والنتائج العلمية المتصلة به وهي أنه عندما خلق الكون، كان يشغل حجماً ضئيلاً جداً :

أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاء كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَفَلَا يُؤْمِنُونَ . الأنبياء: ·30

ويظهر في هذه الآية اختيار مهم جدا للكلمات· ذلك أن كلمة رَتْق تعني في المعاجم العربية ''مختلط بعضه ببعض أو ممزوج''، وقد استخدمت للإشارة إلى مادتين مختلفتين تكوّنان كلا متكاملا· وفي اللغة العربية، يفهم من الفعل فَتَقَ أن شيئا ما قد نشأ نظراً لحدوث فصل أو تدمير في بنية الرتق· ويعتبر تبرعم حبة النبات أحد الأشياء التي ينطبق عليها هذا الفعل ·

والآن، دعونا نلق نظرة أخرى على الآية في ظل ما عرفناه توًّا · سنجد في الآية أن السماء والأرض كانتا في البداية في حالة رتق، ثم تم فتقهما من خلال خروج إحداهما من الأخرى· ومن المثير للاهتمام أن علماء الكونيات يتحدثون عن ''بيضة كونية '' ''cosmic egg'' كانت تتألف من جميع المواد الموجودة في الكون قبل الانفجار العظيم· وفي عبارة أخرى، كانت جميع السماوات والأرض داخل هذه البيضة في حالة الرتق· وقد انفجرت هذه البيضة الكونية بعنف وتسببت في فتق المواد الموجودة داخلها وشكلت في خضم هذا الانفجار بنية الكون بأكمله ·

وهناك مسألة أخرى في القرآن الكريم يمكن تفسيرها على أنها تشير إلى تمدد الكون، الذي تم اكتشافه في أواخر العشرينيات· فقد ظهر في القرآن اكتشاف >هابل < للانزياح الأحمر الذي يحدث في طيف ضوء النجوم على النحو التالي :

وَالسَّمَاء بَنَيْنَاهَا بِأَيْيدٍ وإنَّا لَمُوسِعُونَ . الذاريات: ·47

وباختصار، فإن نتائج البحوث العلمية الحديثة تشير، على نحو متزايد إلى الحقيقة الجلية في القرآن الكريم، ولا تدعم عقيدة الماديين· فقد يدعي الماديون أن كل هذا حدث ''مصادفة'' ولكن الحقيقة الواضحة هي أن الكون قد نشأ نتيجة عملية خلق تمت بإرادة الله سبحانه وتعالى· ومن ثم، توجد المعرفة الحقيقية الوحيدة حول أصل الكون في كلمة الله التي كشف لنا عنها·


خلق المادة لحظة بلحظة

لقد بينت نظرية الانفجار العظيم مرة أخرى أن الله جل جلاله خلق الكون من العدم· ويتضمن هذا الانفجار العظيم العديد من المراحل والتفاصيل الدقيقة، التي تحث المرء على التأمل فيها، وهذه الأمور لا يمكن تفسيرها من خلال المصادفة، إذ ينبغي أن تكون مقادير درجات الحرارة في كل لحظة من لحظات الانفجار وعدد الجسيمات الذرية والقوى ذات الصلة، وشداتها في منتهى الدقة· ذلك أنه لو كان حتى واحد فقط من هذه المقادير غير محدد، لما كان لهذا الكون الذي نعيش فيه اليوم أن يتكوَّن· ولم يكن هناك مفر من هذه النهاية لو انحرف أي من المقادير المذكورة أعلاه بأية قيمة تقترب رياضيا من ''الصفر ''·

وباختصار، لقد نشأ الكون ووحدات بنائه، أي الذرات، كنتيجة مباشرة للانفجار العظيم بعد انعدام وجودها قبل ذلك، وذلك بفضل التوازنات التي خلقها الله· وقد أجرى العلماء الكثير من البحوث لفهم التسلسل الزمني للأحداث التي وقعت أثناء هذه العملية وترتيب قواعد الفيزياء المؤثرة في كل مرحلة· وتتمثل الحقائق التي يعترف بها جميع علماء الوقت الحاضر الذين بحثوا في هذا الموضوع فيما يلي :

اللحظة ''صفر'': هذه ''اللحظة'' التي لم يكن فيها وجود للمادة والزمن، والتي حدث فيها الانفجار، يقبلها العلماء في الفيزياء على اعتبار أن ن (الزمن) = صفر· ويعني ذلك أنه لم يكن هناك وجود لأي شيء عند الزمن ن = صفر· ولكي نتمكن من وصف المرحلة السابقة لنشوء هذه ''اللحظة'' التي بدأ فيها الخلق، ينبغي أن نعرف قواعد الفيزياء التي كانت موجودة آنذاك، لأن قوانين الفيزياء الحالية لا تفسر اللحظات الأولى من الانفجار ·
وتبدأ الأحداث التي قد تستطيع الفيزياء توضيحها بعد مرور 43-10 من الثانية، التي تعتبر أصغر وحدة زمنية· وتمثل هذه الوحدة إطارا زمنيا لا يستطيع العقل البشري إدراكه· ولكن ماذا حدث في هذه الفترة الزمنية القصيرة التي لا نستطيع حتى إدراكها؟ لم يتمكن الفيزيائيون حتى الآن من وضع نظرية تفسر بتفصيل كامل جميع الأحداث التي وقعت في تلك اللحظة،5

ذلك أن العلماء لا يمتلكون البيانات اللازمة لإجراء الحسابات· إذ يصل نطاق قواعد الرياضيات والفيزياء إلى طريق مسدود عند هذا الحد لأن ما حدث قبل اللحظات الأولى لهذا الانفجار وما حدث في تلك اللحظات، يعتمد في كل تفاصيله على توازنات دقيقة جدا، وله واقع يتخطى حدود العقل البشري والفيزياء ·

لقد أدى هذا الخلق، الذي بدأ قبل ظهور الزمن، لحظة بلحظة إلى تكوين العالم المادي وقوانين الفيزياء· والآن، دعونا نلق نظرة على الحوادث التي وقعت بدقة متناهية خلال فترة زمنية قصيرة للغاية أثناء هذا الانفجار ·

كما ذكرنا سابقا، يمكن حساب كل شيء فيزيائيا بدءا من 43-10 من الثانية وما يليها، ولا يمكن تعريف الطاقة والزمن إلا بعد هذه اللحظة· فعند هذه اللحظة من الخلق، كانـت درجة الحـرارة 1032 (100,000,000,000,000,000,000,000,000,000,000) كلفن· والآن، فلنعقد مقارنة، يتم التعبير عن درجة حرارة الشمس بملايين ( 108) الدرجات في حين يتم التعبير عن درجة حرارة بعض النجوم التي يفوق حجمها حجم الشمس بكثير ببلايين ( 1011) الدرجات· وبما أن أعلى درجة حرارة يمكن قياسها في الوقت الحاضر تنحصر في بلايين الدرجات، يتضح لنا مدى ارتفاع درجة الحـرارة عند 43-10 من الثانية ·

وعندما نخطو خطوة أبعد من الفترة البالغة 43-10 من الثانية، نصل إلى اللحظة التي يكون فيها الزمن عند 37-10 من الثانية· وتجدر الإشارة هنا إلى أن الفترة الزمنية بين هاتين المدتين ليست ثانية أو ثانيتين، لأننا نتحدث عن فترة زمنية قصيرة في حدود واحد على كوادريليون مضروبا في كوادريليون من الثانية· وما زالت درجة الحرارة عالية بشكل غير عادي حيث بلغت 1029(100,000,000,000,000,000,000,000,000,000) كلفن· ولم تتكون أية ذرات بعد في هذه المرحلة·6
خطوة أخرى وسنجد أنفسنا عند 2-10 من الثانية· تمثل هذه الفترة الزمنية جزءا من مائة جزء من الثانية· وبحلول هذا الوقت، تكون درجة الحرارة قد وصلت إلى 100 بليون درجة· وعند هذه المرحلة، يبدأ ''الكون البدائي '' ''early universe'' في التكوّن، ولكن جسيمات مثل البروتون والنيوترون التي تشكل نواة الذرة لم تظهر بعد· ولا يوجد سوى الإلكترون وجسيمه المضاد، البوزيترون positron (مضاد الإلكترون anti electron) ، لأن درجة حرارة الكون وسرعته عند تلك اللحظة لا تسمح إلا بتكون هذه الجسيمات· وفي أقل من ثانية بعد حدوث الانفجار من العدم، تكونت الإلكترونات والبوزيترونات ·
منذ هذه اللحظة فصاعدا، يحظى توقيت تكون كل جسيم دون ذري sub-atomic particle بأهمية بالغة· ذلك أن كل جسيم يجب أن يظهر في لحظة معينة حتى يتسنى ترسيخ قواعد الفيزياء الحالية· ومن المهم جدا أن نحدد أي الجسيمات تكونت أولا، لأنه حتى أدنى انحراف عن التسلسل أو التوقيت كان من شأنه أن يجعل من المستحيل للكون أن يأخذ شكله الحالي ·

والآن، دعونا نتوقف ونفكّر قليلاً ·

تقدم نظرية الانفجار العظيم أدلة على وجود الله لأنها تبين أن كل المواد المؤلفة للكون نتجت من العدم· وقد فعلت النظرية أكثر من ذلك وأظهرت أن وحدات البناء - أي الذرات - نشأت أيضا من العدم بعد أقل من ثانية واحدة على حدوث الانفجار العظيم· وسنجد أن التوازن والنظام الهائلين في هذه الجسيمات جديران بالملاحظة، لأن الكون يدين بحالته الراهنة إلى هذا التوازن الذي سيتم وصفه بمزيد من التفصيل في الصفحات القادمة· إن هذا التوازن مرة أخرى هو الذي يسمح لنا بأن نحيا حياة هادئة· وباختصار، لقد تكون النظام المثالي والقوانين الثابتة، أي قوانين الفيزياء، بعد انفجار يتوقع عادة أن ينشأ عنه اضطراب وفوضى عارمة· ويثبت هذا أن كل لحظة بعد خلق الكون، بما في ذلك الانفجار العظيم، تم تصميمها بشكل مثالي ·






بعد اللحظة "صفر" عندما لم تكن هناك أية مادة أو زمن وعندما حدث الانفجار، نشأ الكون ووحدات بنائه، الذرات، من العدم في إطار مخطط عظيم.


والآن، دعونا نستأنف تأمل التطورات من حيث توقفنا ·

الخطوة التالية هي اللحظة التي يكون قد انقضى عندها (1-10) ثانية من الوقت· في هذه اللحظة، تكون درجة الحرارة قد وصلت إلى (30) بليون درجة، ولم تنقضِ ولو ثانية واحدة من اللحظة ن = صفر حتى هذه المرحلة· وبحلول تلك اللحظة، تكون النيوترونات والبروتونات، التي هي جسيمات الذرة الأخرى، قد بدأت في الظهور· لقد خلقت النيوترونات والبروتونات، التي سنحلل تركيبها المثالي في الأقسام التالية، من العدم خلال فترة زمنية تقل حتى عن الثانية الواحدة ·
دعونا نصل إلى أول ثانية بعد الانفجار· إن الكثافة الضخمة في هذا الوقت تشكل مرة أخرى رقما هائلا· فوفقا للحسابات، يصل مقدار كثافة الكتلة الموجودة في تلك المرحلة إلى 3,8 بليون كيلوجرام لكل لتر· وقد يكون من السهل، حسابيا، التعبير عن هذا الرقم، المشار إليه ببلايين الكيلوجرامات، وكتابته على الورق· ولكن من المستحيل إدراك هذا الرقم بالضبط· ولإعطاء مثال بسيط جدا يعبر عن ضخامة هذا الرقم، يمكننا القول بأنه ''إذا كان لجبل إفرست في الهمالايا هذه الكثافة نفسها، سيكون باستطاعته أن يبتلع عالمنا في لحظة بقوة الجاذبية المتوفرة لديه''·7
تتمثل أكثر السمات تمييزا للحظات التالية في أنه بحلول ذلك الوقت، تكون درجة الحرارة قد وصلت إلى مستوى أقل بدرجة كبيرة· وفي تلك المرحلة، يكون عمر الكون تقريبا 14 ثانية، ودرجة حرارته 3 بلايين درجة، ويستمر في التمدد بسرعة رهيبة ·

وهذه هي المرحلة التي بدأ فيها تكوين النوى الذرية المستقرة، مثل نوى الهيدروجين والهليوم· عندئذ كانت الظروف مواتية لكي يوجد بروتون واحد مع نيوترون واحد، لأول مرة· لقد بدأ هذان الجسيمان، اللذان تقع كثافتهما عند الخط الفاصل بين الوجود واللاوجود، يقاومان - بسبب قوة الجاذبية - معدل التمدد الهائل· ومن الواضح أننا أمام عملية واعية وموجهة بشكل فائق· فقد أدى انفجار ضخم إلى ظهور توازن هائل ونظام دقيق· وقد بدأ تجمع البروتونات والنيوترونات معا لتكوين الذرة، وحدة بناء المادة· ومن المستحيل بالتأكيد أن تمتلك هذه الجسيمات القوة والوعي الضروريين لتكوين التوازنات الدقيقة اللازمة لتكوين المادة ·
وأثناء الفترة التالية لتكوين الذرة، انخفضت درجة حرارة الكون إلى بليون درجة· وتعادل درجة الحرارة هذه ستين ضعفا درجة الحرارة الموجودة في قلب شمسنا· ولم يمر سوى 3 دقائق وثانيتين منذ اللحظة الأولى حتى هذه اللحظة· وبحلول ذلك الوقت، أصبحت جسيمات دون ذرية مثل الفوتون photon ، والبروتون، ومضاد البروتون anti proton ، والنيوترينو neutrino ، ومضاد النيوترينو anti neutrino متوافرة بكثرة· وتجدر الإشارة هنا إلى أن كميات جميع الجسيمات الموجودة في هذه المرحلة وتفاعلاتها مع بعضها البعض تقوم بدور حاسم جدا، لدرجة أن أقل تغيير في كمية أي جسيم سيدمر مستوى الطاقة الذي تحدده هذه الجسيمات ويمنع تحول الطاقة إلى مادة ·

ولنأخذ الإلكترونات والبوزيترونات على سبيل المثال: عندما تتجمع الإلكترونات والبوزيترونات معا، تنتج طاقة· لذا، تحظى أعداد كلا الجسيمين بأهمية بالغة· ولنقل إن 10 وحدات من الإلكترونات اجتمعت مع 8 وحدات من البوزيترونات· في هذه الحالة، تتفاعل 8 وحدات من وحدات الإلكترونات العشر مع 8 وحدات من البوزيترونات وتنتج طاقة· ونتيجة لذلك، تتحرر وحدتان من الإلكترونات· وبما أن الإلكترون هو أحد الجسيمات المكونة للذرة التي تعتبر وحدة بناء الكون، يجب أن يكون الإلكترون متوافرا بالكميات اللازمة في هذه المرحلة كي ينشأ الكون· وفي المثال السابق، إذا كان عدد البوزيترونات أكثر من عدد الإلكترونات، ستتبقى البوزيترونات بدلا من الإلكترونات نتيجة للطاقة المحررة ولم يكن الكون المادي ليتكون مطلقا· وإذا كانت أعداد البوزيترونات والإلكترونات متساوية، فلن ينتج شيء غير الطاقة ولن يتبقى شيء لتكوين الكون المادي· ومع ذلك، فإن هذه الزيادة في عدد الإلكترونات تم ترتيبها بطريقة تضاهي عدد البروتونات في الكون عند الزمن التالي لهذه اللحظة· وسنجد في الذرة، التي ستتكون لاحقا، أن أعداد الإلكترونات والبروتونات متساوية ·

لقد تحددت أعداد الجسيمات الناتجة عن الانفجار العظيم من خلال حسابات دقيقة، أدت في النهاية إلى تكوين الكون المادي· ويعلق الأستاذ ستيفين وينبيرج Steven Weinberg على الدور الحاسم الذي يقوم به التفاعل بين هذه الجسيمات :


''لو كان الكون في الدقائق الأولى القليلة مؤلفا حقا من أعداد متساوية تماما من الجسيمات والجسيمات المضادة، لكانت كل هذه الأعداد قد دُمرت نتيجة لانخفاض درجة الحرارة إلى أقل من 1,000 مليون درجة، ولما تبقَّى شيء غير الإشعاع· ويوجد دليل مقنع جدا ضد إمكانية حدوث ذلك؛ فنحن موجودون هنا! ولا بد أنه كانت هناك زيادة في عدد الإلكترونات عن البوزيترونات، وفي عدد البروتونات عن مضادات البروتونات، وفي عدد النيوترونات عن مضادات النيوترونات، لكي يتبقى شيء بعد تدمير الجسيمات والجسيمات المضادة يستطيع أن يقدم مادة الكون الحالي''·




لقد مرت 34 دقيقة و40 ثانية في المجمل منذ البداية· إن عمر كوننا الآن نصف ساعة· لقد انخفضت درجة الحرارة من بلايين الدرجات إلى 300 مليون درجة· وما زالت الإلكترونات والبوزيترونات تنتج الطاقة من خلال التصادم ببعضها البعض· وبحلول هذا الوقت، كان قد حدث توازن في كميات جسيمات تكوين الكون بالقدر الذي يسمح بتكون الكون المادي ·

وبمجرد تباطؤ معدل الانفجار، تبدأ هذه الجسيمات، التي تكاد تكون منعدمة الكتلة، في التفاعل مع بعضها البعض· وتتكون أول ذرة هيدروجين عند استقرار إلكترون واحد في مدار البروتون· ويقودنا هذا التكوين إلى القوى الأساسية التي سنقابلها عادة في الكون ·

ويستحيل بالتأكيد أن تكون هذه الجسيمات، التي تنتج عن تصميم يفوق الإدراك البشري بكثير وتتسم بتركيبات مميزة تقوم على توازنات غاية في الدقة، قد تجمعت مع بعضها البعض عن طريق المصادفة، وعملت على تحقيق الهدف نفسه· ونتيجة لهذا الكمال، توصل العديد من العلماء الذين يعملون في هذا الموضوع إلى استنتاج مهم جدا وهو: أن هذه العملية هي عملية ''خلق''، تتم تحت إشراف منقطع النظير في كل لحظة· ومن المفترض أن يتكون كل جسيم ينشأ بعد الانفجار في وقت محدد، ودرجة حرارة محددة، وسرعة محددة· ويبدو أن هذا النظام، الذي يعمل تقريبا مثل الساعة ذات الزنبرك المعبأ، قد تمت برمجته بموالفة دقيقة قبل أن يبدأ عمله· ويعني هذا أن الانفجار العظيم والكون المثالي الذي نشأ نتيجة لهذا الانفجار قد تم تصميمه قبل بدء الانفجار ثم بدأ بعد ذلك تنفيذه ·

إن الإرادة التي ترتب الكون وتصممه وتتحكم فيه هي بالتأكيد إرادة الله سبحانه وتعالى، خالق كل شيء ·

ويمكن ملاحظة هذا التصميم ليس فقط في الذرة، ولكن في كل شيء في الكون، مهما كبر حجمه أو صغر· وتجدر الإشارة هنا إلى أن هذه الجسيمات، التي اندفعت في البداية بعيدا عن بعضها البعض بسرعة الضوء، لم تتسبب في تكوين ذرات الهيدروجين فحسب، بل تسببت أيضا في نشوء جميع النظم الهائلة التي يشتمل عليها الكون اليوم، هذا بالإضافة إلى الذرات والجزيئات والكواكب والشموس والنظم الشمسية والمجرات والكوازارات (نقط إشعاع خارج المجرات)، إلخ، وفقا لخطة رائعة وبنظام وتوازن متقنين· وفي حين يعد من المستحيل أن تتجمع الجسيمات المطلوبة لتكوين الذرة مع بعضها البعض وأن تضع لنفسها التوازنات الدقيقة بالمصادفة، فإن ما يعد أبعدَ كثيرا عن العقل والمنطق الادعاء بأن الكواكب والمجرات، وباختصار جميع النظم التي توفر العوامل المساعدة لتسيير الكون تتكون بالمصادفة، وتضع التوازنات اللازمة بنفسها· ذلك أن الإرادة التي تضع هذا التصميم الفريد هي إرادة الله، خالق الكون كله ·

لقد تكونت ذرات أخرى بعد ذرة الهيدروجين، التي تعتبر معجزة في حد ذاتها· وفي هذه المرحلة، تطرأ على الذهن أسئلة متنوعة مثل: ''كيف تكونت الذرات الأخرى؟ ولماذا لم تقم كل البروتونات والنيوترونات بتكوين ذرة الهيدروجين فقط؟ وكيف قررت الجسيمات ماهية الذرات التي سوف تكونها وبأية كميات؟'' تقودنا الإجابة على هذه الأسئلة مرة أخرى إلى الاستنتاج نفسه؛ هناك قوة وتحكم وتصميم ضخم في تكوين ذرة الهيدروجين وكل الذرات الأخرى التي تلتها· ويتخطى هذا القدر من التحكم والتصميم طاقة العقل البشري ويشير إلى الحقيقة الواضحة التي تتمثل في أن الكون ''مخلوق '' ·

وتجدر الإشارة هنا إلى أن قوانين الفيزياء التي وضعت نتيجة للانفجار العظيم لم تتغير على الإطلاق خلال السبع عشرة بليون سنة تقريبا التي مرت على نشوء الكون· وعلاوة على ذلك، فإن هذه القوانين مبنية على حسابات دقيقة للغاية حتى إن أدنى انحراف مليمتري عن قيمها الحالية يمكن أن يتسبب في نتائج تفسد التركيب والنظام العامين في الكون بأكمله· وتثير كلمات الفيزيائي الشهير (ستيفان هوكنج ) Stephen Hawking حول هذه النقطة قدرا كبيرا من الاهتمام· إذ يرى (هوكنج) في تفسيره لهذه الظواهر أنها تستند إلى حسابات أدق كثيرا مما يمكن أن نتخيل :

''لو كان معدل التمدد بعد ثانية واحدة من الانفجار العظيم أصغر حتى ولو بمقدار جزء واحد من مائة ألف مليون مليون جزء، لانهار الكون قبل أن يصل إلى حجمه الحالي''·9

ويتضح من الانفجار العظيم، المبني على مثل هذه الحسابات الدقيقة، أن الزمان والمكان والمادة لم ينشأوا تلقائيا، بل خلقهم الله سبحانه وتعالى· ومن المستحيل تماما أن تقع الأحداث المذكورة سابقا وأن تؤدي إلى تكوين الذرة، وحدة بناء الكون، نتيجة للمصادفة البحتة ·

ولا يوجد ما يدعو للدهشة في أن العديد من العلماء الذين يبحثون في هذا الموضوع قد اعترفوا بوجود قوة جبارة لا حدود لها قامت بخلق الكون· ويفسر عالم الفيزياء الفلكية المعروف (هيو روس Hugh Ross (كيف أن خالق الكون يفوق كل الأبعاد :

''إن الزمن، بطبيعة الحال، هو ذلك البعد الذي تحدث فيه ظاهرة السبب والنتيجة· وبدون الزمن، لن يكون هناك سبب ولا نتيجة· وإذا توافقت بداية الزمن مع بداية الكون، وفقا لنظرية الزمان والمكان، ينبغي أن يكون السبب في ظهور الكون كيانا يعمل في بعد زمني مستقل تماما عن البعد الزمني للكون وسابق لوجوده ··· ويخبرنا هذا أن الخالق يعلو فوق الوجود المادي، ويعمل وراء حدود الأبعاد الكونية· ويخبرنا أيضا أن الله ليس الكون نفسه، وأن الله لا يحتويه الكون''· 10

ويتمثل أهم جانب من جوانب الانفجار العظيم في أنه يعطي البشرية فرصة أفضل لفهم قوة الله· ويعتبر نشوء الكون من العدم بكل المادة التي يحويها أحد أعظم العلامات الدالة على قدرة الله· كما يعتبر التوازن الدقيق في الطاقة عند لحظة الانفجار علامة كبيرة جدا توجهنا نحو التفكير في علم الله الذي لا حدود له ·


القوى الأساسية في الكون

لقد ذكرنا من قبل أن قوانين الفيزياء في الكون قد نشأت بعد الانفجار العظيم· وتستند هذه القوانين إلى ''القوى الأساسية الأربعة'' المعروفة في الفيزياء الحديثة اليوم· وقد تكونت هذه القوى مع تكون أول جسيمات دون ذرية في أزمنة محددة بدقة بعد الانفجار العظيم مباشرة لكي تشكل كل ترتيبات الكون ونظمه· وتدين الذرات، التي يتألف منها الكون المادي، بوجودها وتوزيعها المنتظم بدقة عبر الكون لتفاعل هذه القوى· وهذه القوى هي: قوة جذب الكتل المعروفة باسم القوة التجاذبية gravitational force ، والقوة الكهرومغناطيسية electromagnetic force ، والقوة النووية الشديدة strong nuclear force ، والقوة النووية الضعيفة weak nuclear force. وتتسم كل واحدة من هذه القوى بشدة مميزة ومجال مؤثر· ولا تعمل القوى النووية الشديدة والضعيفة إلا عند النطاق دون الذري· وتقوم القوتان المتبقيتان - القوة التجاذبية والقوة الكهرومغناطيسية- بالتحكم في تجمعات الذرات، وفي عبارة أخرى في ''المادة''· وقد نتج نظام الأرض الخالي من العيوب عن التناسب بالغ الدقة لهذه القوى· وبإجراء مقارنة بين هذه القوى ستظهر نتيجة مثيرة للغاية، وهي أن كل المادة التي نشأت وتشتتت عبر الكون بعد الانفجار العظيم تشكلت نتيجة لتأثير هذه القوى التي تختلف فيما بينها اختلافات شاسعة· ومبين أدناه، بوحدات القياس المعيارية الدولية، مقادير هذه القوى المختلفة المدهشة :

القوة النووية الشديدة : 15
القوة النووية الضعيفة : 7.03 x 10-3
القوة التجاذبية : 5.90 x 10-39
القوة الكهرومغناطيسية : 3.05 x 10-32


تسمح هذه القوى الأساسية بتكوين العالم المادي من خلال توزيع كامل للقوة· ويرتكز هذا التناسب بين القوى إلى توازن دقيق جدا يمكِّن هذه القوى من تحقيق الأثر اللازم على الجسيمات من خلال هذه النسب المحددة فقط ·

.1القوة العملاقة في النواة: القوة النووية الشديدة

لقد استعرضنا حتى الآن كيفية خلق النواة لحظة بلحظة والتوازنات الدقيقة الفاعلة في هذا الخلق· ورأينا أن كل شيء حولنا، بما في ذلك أنفسنا، يتكون من ذرات، وأن هذه الذرات مؤلفة من جسيمات عديدة· ما هي إذن تلك القوة التي تحافظ على تماسك كل هذه الجسيمات المكونة لنواة الذرة؟ إن هذه القوة، التي تحافظ على النواة سليمة، والتي تعتبر أشد قوة عرفتها قوانين الفيزياء، هي ''القوة النووية الشديدة ''·
وتضمن هذه القوة بقاء البروتونات والنيوترونات مع بعضها البعض في نواة الذرة دون أن تتطاير بعيدا· وتتكون نواة الذرة بهذه الطريقة· وهذه القوة من الشدة بمكان بحيث إنها تكاد تجعل البروتونات والنيوترونات تلتصق ببعضها البعض داخل النواة· ولهذا السبب يطلق على الجسيمات الدقيقة التي تمتلك هذه القوة اسم ''gluon'' وهي تعني ''اللصق'' باللاتينية· وقد ضبطت قوة الربط هذه بدقة بالغة، إذ تم ترتيب شدة هذه القوة بشكل دقيق للإبقاء على مسافة معينة بين البروتونات والنيوترونات· فلو كانت هذه القوة أشد قليلا، لتصادمت البروتونات والنيوترونات مع بعضها البعض· أما لو كانت هذه القوة أضعف قليلا، لتشتتت البروتونات والنيوترونات· لقد بلغت هذه القوة القدر المناسب اللازم لتكوين نواة الذرة بعد الثواني الأولى من الانفجار العظيم ·

وتبين لنا تفجيرات هيروشيما وناجازاكي كيف يمكن أن تصبح القوة النووية الشديدة مصدرا للتدمير بمجرد تحريرها· والسبب الوحيد الذي يجعل القنابل الذرية، التي سيتم استعراضها بمزيد من التفصيل في الفصول القادمة، بهذا القدر من الفعالية هو تحرر كميات صغيرة جدا من هذه القوة المختبئة داخل نواة الذرة ·






2 حزام أمان الذرة: القوة النووية الضعيفة

إن أحد أهم العوامل في استمرار النظام على الأرض هو التوازن الموجود داخل الذرة· إذ يضمن هذا التوازن عدم انهيار الأشياء فجأة وعدم انبعاث أشعة ضارة منها· وتتحمل ''القوة النووية الضعيفة'' مسؤولية الحفاظ على هذا التوازن بين البروتونات والنيوترونات داخل نواة الذرة· وتؤدي هذه القوة دورا مهما في الحفاظ على توازن النوى التي تحتوي على أعداد عالية من النيوترونات والبروتونات ·

وإذا تمت المحافظة على هذا التوازن، يمكن أن يتحول النيوترون، إذا لزم الأمر، إلى بروتون· وبما أن عدد البروتونات في النواة يتغير في نهاية هذه العملية، فإن الذرة تتغير معه أيضا وتصبح ذرة مختلفة· وهنا، تكون النتيجة في غاية الأهمية؛ لأن الذرة تتحول إلى ذرة أخرى مختلفة دون أن تتفتت وتستمر في الحفاظ على وجودها· ويحمي حزام الأمان هذا الكائنات الحية من الأخطار التي كانت ستنشأ لولا وجوده من جراء تحرر الجسيمات بشكل غير قابل للسيطرة ومؤذ للبشر ·



·3 القوة التي تُبقي الإلكترونات في المدار: القوة الكهرومغناطيسية

لقد بشر اكتشاف هذه القوة بمقدم عصر جديد في عالم الفيزياء· فقد تبين بعد ذلك أن كل جسيم يحمل ''شحنة كهربائية'' وفقا لخصائصه التركيبية، وأن هناك قوة بين هذه الشحنات الكهربائية تجعل الجسيمات ذات الشحنات الكهربائية المتناقضة تنجذب نحو بعضها البعض وتجعل الجسيمات ذات الشحنات المتشابهة تتنافر عن بعضها البعض، ومن ثم يضمن ذلك أن البروتونات الموجودة في نواة الذرة والإلكترونات التي تتحرك في المدارات حولها ستنجذب نحو بعضها البعض· وبهذه الطريقة، تبقى ''النواة'' و''الإلكترونات''، وهما العنصران الأساسيان في الذرة، مع بعضهما البعض ·

إن أدنى تغيير في شدة هذه القوة من شأنه أن يؤدي إلى انطلاق الإلكترونات بعيدا عن النواة أو إلى وقوعها داخلها· وفي كلتا الحالتين، سيؤدي ذلك إلى استحالة وجود الذرة، وبالتالي، استحالة وجود الكون المادي· ومع ذلك، فمنذ اللحظة الأولى التي تكونت فيها هذه القوة، قامت البروتونات الموجودة داخل النواة بجذب الإلكترونات بالقوة المطلوبة بالضبط لتكوين الذرة بفضل قيمة هذه القوة
·





لا يستطيع المرء أن يظل في بيئة خالية من الجاذبية إلا لفترة معينة وباستخدام معدات خاصة. ولا تستطيع الكائنات الحية أن تعيش إلا في كون به جاذبية.


4 القوة المسؤولة عن تماسك الكون: القوة التجاذبية

على الرغم من أن هذه القوة هي القوة الوحيدة التي نستطيع إدراكها عادة، فإنها هي أيضا القوة التي نعرف عنها أقل قدر من المعلومات· وعادة ما نطلق على هذه القوة اسم الجاذبية، في حين أنها تسمى في الواقع ''قوة جذب الكتل'' .''mass attraction force'' وعلى الرغم من أن هذه القوة هي أقل القوى شدة مقارنة بالقوى الأخرى، فإن الكتل الكبيرة جدا تنجذب بواسطتها نحو بعضها البعض· وهذه القوة هي السبب في بقاء المجرات والنجوم الموجودة بالكون في مدارات بعضها البعض· ومرة أخرى، تظل الأرض والكواكب الأخرى تدور في مدار معين حول الشمس بمساعدة هذه القوة التجاذبية· كما أننا نتمكن من المشي على الأرض بسبب هذه القوة· ولو حدث انخفاض في قيمة هذه القوة، لسقطت النجوم، ولانتُزعت الأرض من مدارها، ولتشتتنا نحن عن الأرض في الفضاء· وفي حال حدوث أدنى زيادة في قيمة هذه القوة تتصادم النجوم ببعضها البعض، وتصطدم الأرض بالشمس، وننجذب نحن نحو القشرة الأرضية· وقد يبدو لك أن احتمالات حدوث تلك الأشياء بعيدة جدا الآن، ولكنها ستكون حتمية لو انحرفت هذه القوة عن قيمتها الحالية ولو حتى لفترة قصيرة جدا من الوقت ·

ويعترف كل العلماء الذين يجرون بحوثا حول هذا الموضوع أن القيم المحددة بدقة لهذه القوى الأساسية تعتبر من العوامل الحاسمة في وجود الكون
·



يسود الكون بأكمله تصميم فائق ونظام متقن تحكمه هذه القوى الأساسية. ومالك هذا النظام هو، بلا شك، الله سبحانه وتعالى، الذي خلق كل شيء من العدم بدون أية عيوب. ولا بد أن نذكر هنا إلى أن إسحاق نيوتن (1642-1727)، وهو أبو الفيزياء الحديثة والميكانيكا الفلكية، الذي يشار إليه بوصفه "أحد أعظم العلماء في التاريخ على الإطلاق" قد لفت الانتباه إلى هذه الحقيقة:
" لا يمكن أن ينشأ هذا النظام فائق الجمال المؤلف من الشمس، والكواكب، والمذنبات إلا نتيجة لتخطيط وسلطان كيان حكيم ومقتدر. ويسيطر هذا الكيان بسلطانه على كل شيء، ليس بوصفه روح العالم، ولكن بوصفه إله وخالق كل شيء".


وعندما تناول هذه النقطة عالم البيولوجيا الجزيئية الشهير مايكل دنتون Michael Denton ، أشار في كتابه ''قدر الطبيعة: كيف تكشف قوانين البيولوجيا الغاية من الكون ''How the Laws of Biology Reveal Purpose in the Universe Nature's Destiny ''

إلى أنه :
''لو كانت، على سبيل المثال، القوة التجاذبية أقوى تريليون مرة، لكان الكون أصغر بكثير، ولكان تاريخ حياته أقصر بكثير· ولكانت كتلة أي نجم عادي أقل تريليون مرة من الشمس ولبلغت دورة حياته نحو سنة واحدة· ومن ناحية أخرى، لو كانت الجاذبية أقل قوة، لم تكن أية نجوم أو مجرات لتتكون على الإطلاق· وليست العلاقات والقيم الأخرى أقل خطرا· فلو كانت القوة الشديدة أضعف قليلا، لكان الهيدروجين هو العنصر الوحيد المستقر ولما تمكنت أية ذرات أخرى من الوجود· ولو كانت القوة الشديدة أقوى قليلا مقارنة بالقوة الكهرومغناطيسية، لأصبحت النواة الذرية المكونة من بروتونين فقط سمة ثابتة في الكون - ويعني ذلك انعدام وجود الهيدروجين - وإذا نشأت أية نجوم أو مجرات، ستكون مختلفة جدا عن شكلها الحالي· ومن الواضح أنه لو لم تكن لهذه القوى والثوابت المختلفة قيمها الحالية بالضبط، لما كانت هناك أية نجوم، أو نجوم متفجرة فائقة الوهج supernova ، أو كواكب، أو ذرات، أو حياة''·11

وقد عبر الفيزيائي المعروف بول ديفيز Paul Davies عن إعجابه بالقيم المقدرة سلفا لقوانين الفيزياء في الكون :

''عندما يلجأ المرء لدراسة علم الكونيات، يزداد لديه الميل إلى الشك· ولكن الاكتشافات الأخيرة فيما يتعلق بالكون البدائي تضطرنا إلى القبول بأن الكون المتمدد قد بدأ في حركته بتعاون يتسم بدقة مثيرة للدهشة''·12
ويسود الكون كله تصميم فائق وتنظيم متقن يقومان على أساس توفر هذه القوى الأساسية· ومالك هذا النظام هو، دون شك، الله سبحانه وتعالى، الذي خلق كل شيء من العدم دون أية عيوب · وإذا تأملنا قليلا سنجد أن الله، رب العالمين، يبقي النجوم في مداراتها بأضعف القوى، ويبقي على توازن نواة الذرة الدقيقة بأشد القوى· وتعمل كل القوى وفقا ''للحدود'' التي قدرها الله
الرجوع الى أعلى الصفحة

الفصل الثاني

تركيب الذرة

إن الهواء والماء والجبال والحيوانات والنباتات وجسمك والكرسي الذي تجلس عليه، وباختصار، كل شيء تراه، وتلمسه، وتشعر به من أثقل الأشياء إلى أخفها مكون من ذرات· وتشتمل كل صفحة من صفحات الكتاب الذي تمسك به في يدك على بلايين الذرات· والذرات هي جسيمات دقيقة جدا يستحيل أن يراها المرء حتى باستخدام أقوى الميكروسكوبات· ويبلغ قطر الذرة نحو جزء من مليون جزء من المليمتر ·

ولا يمكن للإنسان أن يتصور هذا الحجم· لذلك، دعونا نحاول أن نفسره بمثال ·

تخيل أنك تحمل مفتاحا في يدك· لا شك في أنك من المستحيل أن ترى الذرات الموجودة في هذا المفتاح· وإذا قلت إنك ينبغي أن ترى الذرات، فيجب عليك حينئذ أن تكبر المفتاح الموجود في يدك حتى يصل إلى حجم العالم· وبمجرد أن يصبح المفتاح الموجود في يدك بحجم الأرض، تكون كل ذرة من الذرات الموجودة داخل المفتاح بحجم حبة الكرز·13

دعونا نضرب مثالاً آخر لفهم مدى دقة الذرات وكيف أن كل مكان وكل شيء مليء بالذرات:

لنفترض أننا نريد أن نحصي جميع الذرات الموجودة في حبة ملح واحدة، ولنفترض أيضا أننا قادرون أن نحصي بليون (1,000,000,000) ذرة في الثانية· على الرغم من مهارتنا الكبيرة، فإننا نحتاج إلى أكثر من خمسمائة سنة لنحصي عدد الذرات الموجودة داخل حبة الملح بالغة الصغر·14

إذن، ماذا يوجد داخل هذه البنية الصغيرة؟

على الرغم من أن حجم الذرة صغير جدا، فإنها تحتوي على نظام فريد ومعقد وخال من الأخطاء يمكن مقارنته من حيث التطور بالنظام الذي نراه في الكون ككل ·

وتتكون كل ذرة من نواة وعدد من الإلكترونات تتحرك في أغلفة مدارية تبعد مسافة كبيرة جدا عن النواة· وتوجد داخل النواة جسيمات أخرى تسمى البروتونات والنيوترونات ·

· وفي هذا الفصل، سنلقي نظرة على التركيب غير العادي للذرة التي تمثل أساس كل شيء حي وغير حي، وسنرى كيف تتجمع الذرات لتكون جزيئات وفي النهاية، مادة ·



القوة الخفية في النواة

توجد النواة في وسط الذرة بالضبط وتتألف من عدد معين من البروتونات والنيوترونات حسب خصائص تلك الذرة· ويبلغ نصف قطر النواة نحو جزء من عشرة آلاف جزء من نصف قطر الذرة· وللتعبير عن ذلك بالأعداد، يبلغ نصف قطر الذرة 8-10 (0,00000001) سم، في حين يبلغ نصف قطر النواة 12-10 ( 0,000000000001 ) سم· ومن ثم، يساوي حجم النواة جزءا من عشرة بلايين جزء من حجم الذرة ·




ذرة
مجموعة من ثلاثة كواركات – تكوِّن بروتوناً- في قلبها أوتار. تتكون البروتونات والإلكترونات من مجموعات ثلاثية الكواركات.


وبما أننا لا نستطيع أن نتصور هذا الاتساع (من الأفضل أن نقول: الدقة)، دعونا نرجع إلى مثالنا الخاص بحبة الكرز· فلنبحث عن النواة داخل الذرات التي تصورناها في حجم حبة الكرز عندما تم تكبير المفتاح الموجود في يدك حتى أصبح في حجم الأرض· ولكن مثل هذا البحث لن يكون مجديا، لأنه حتى بهذا المقياس، يستحيل علينا تماما أن نرى النواة، التي ما زالت صغيرة جدا· وإذا أردنا حقا أن نراها، يجب علينا أن نغير المقياس مرة أخرى· إذ ينبغي أن تتمدد حبة الكرز التي تمثل ذرتنا مرة أخرى وتصبح في حجم كرة قطرها مائتا متر· وحتى بهذا المقياس الذي لا يصدق، لن يزيد حجم نواة ذرتنا عن حجم حبة غبار صغيرة جدا·15

وعندما نقارن نصف قطر النواة البالغ 12-10 سم بنصف قطر الذرة البالغ 8-10سم، سنصل إلى النتيجة التالية: إذا افترضنا أن الذرة كرة وأردنا أن نملأ هذه الكـرة كلها بالـنوى، فسنحتاج إلى 15-10 ( 0,000000000000001 ) نواة· 16

ومع ذلك، يوجد شيء آخر أكثر إثارة للدهشة؛ فعلى الرغم من أن حجم النواة يساوي جزءا من عشرة بلايين جزء من حجم الذرة، فإن كتلة النواة تشكل 99,95 % من كتلة الذرة· كيف يعقل أن شيئا يكاد يشكل كتلة معينة بأكملها، في حين أنه، من ناحية أخرى، لا يكاد يشغل أي حيز؟

السبب يكمن في أن الكثافة المكونة لكتلة الذرة ليست موزعة بالتساوي على الذرة بأكملها، وهو ما يعني أن كتلة الذرة كلها تقريبا مجمعة في النواة· فلنقل أن لديك منزلا مساحته 10 بلايين متر مربع وأنك مضطر لأن تضع جميع أثاث المنزل في غرفة مساحتها متر مربع واحد· هل تستطيع أن تفعل ذلك؟ بالطبع لن تستطيع· ولكن النواة الذرية تستطيع أن تفعل ذلك بفضل قوة هائلة لا تشبه أية قوة أخرى في الكون· وهذه القوة هي ''القوة النووية الشديدة''، إحدى القوى الأساسية الأربع في الكون التي ذكرناها في الفصل السابق ·

لقد أشرنا إلى أن هذه القوة، أشد القوى في الطبيعة، تحافظ على النواة سليمة وتمنعها من التجزؤ إلى قطع صغيرة· إذ إن جميع البروتونات في النواة شحناتها موجبة، ومن ثم فهي تتنافر عن بعضها البعض بسبب القوة الكهرومغناطيسية· ومع ذلك، تصبح هذه القوة الكهرومغناطيسية بلا فعالية نتيجة للقوة النووية الشديدة، التي هي أقوى 100 مرة من القوة التنافرية بين البروتونات، وهكذا تظل البروتونات متماسكة ·

ولتلخيص ما سبق، توجد قوتان عظميان تتفاعلان مع بعضهما البعض داخل الذرة التي هي من الصغر بمكان بحيث يتعذر علينا رؤيتها· وتستطيع النواة أن تحافظ على تماسكها ككل بفضل القيم الدقيقة لهاتين القوتين ·

وعندما نتأمل حجم الذرة وعدد الذرات الموجودة في الكون، يستحيل علينا ألا نلاحظ وجود قدر هائل من التوازن والتصميم الفعالين· ومن الجلي للغاية أن القوى الأساسية في الكون قد خلقت بطريقة خاصة جدا وبقدر عظيم من الحكمة والقوة· ولا يلجأ أولئك الذين يرفضون الإيمان بالله إلى أكثر من الادعاء بأن كل هذه الأشياء قد نشأت نتيجة ''مصادفات''· ومع ذلك، فإن الحسابات العلمية للاحتمالات تضع ''صفرًا'' لاحتمال نشوء التوازنات الموجودة في الكون ''بالمصادفة''· وتعتبر كل هذه الأشياء أدلة واضحة على وجود الإله .

·


الفراغ داخل الذرة

كما ذكرنا آنفا، يتكون الجزء العظيم من الذرة من الفراغ· وهذا يدعو الجميع إلى التفكير في السؤال نفسه: لماذا يوجد مثل هذا الفراغ؟ دعونا نفكر· تتكون الذرة، بتعبيرات بسيطة، من نواة تدور حولها إلكترونات، ولا يوجد شيء آخر بين النواة والإلكترونات· وفي الواقع، تعتبر هذه المسافة الميكروسكوبية ''التي لا يوجد فيها شيء'' مسافة كبيرة بالمقياس الذري· ويمكننا أن نضرب مثلا على هذا المقياس على النحو التالي: إذا كانت بِلْية صغيرة قطرها سنتيمتر واحد تمثل الإلكترون الأقرب إلى النواة، ستكون النواة على بعد كيلومتر واحد من هذه البِلْيَة·17ويمكننا أن نستشهد بالمثال التالي لتوضيح هذا الحجم بشكل أكبر في أذهاننا :

''يوجد فراغ كبير بين الجسيمات الأساسية· وإذا اعتبرتُ بروتون نواة ذرة الأكسجين هو رأس الدبوس الموجود على الطاولة أمامي، فسيرسم الإلكترون الذي يدور حوله دائرة تمر بهولندا وألمانيا وأسبانيا (يعيش كاتب هذه السطور في فرنسا)· ومن ثم، إذا تجمعت كل الذرات المكونة لجسدي معا بحيث أصبحت متقاربة إلى حد تستطيع معه ملامسة بعضها البعض، لن تتمكن من رؤيتي أبدا· وفي الواقع، لن تتمكن أبدا من رؤيتي بالعين المجردة، لأنني سأكون آنذاك في صغر جسيم الغبار الدقيق الذي يبلغ حجمه بضع أجزاء من ألف جزء من المليمتر''·18

وعند هذه النقطة، ندرك أن هناك تشابها بين أكبر الفراغات المعروفة في الكون وأصغرها· فعندما ندير أعيننا نحو النجوم، نرى مرة أخرى فراغا مشابها للفراغ الموجود في الذرات، إلا أن الفراغات الموجودة بين النجوم وبين المجرات تبلغ بلايين الكيلومترات· ومع ذلك، يسود في كلا هذين النوعين من الفراغات نظام يتخطى حدود فهم العقل البشري
·



داخل الذرة: البروتونات والنيوترونات

كان يُعتقد، حتى عام ،1932 أن النواة تتكون فقط من البروتونات والإلكترونات· واكتشف بعد ذلك أن ما يوجد في النواة إلى جانب البروتونات ليس إلكترونات بل نيوترونات· (أثبت العالم الشهير تشادويك Chadwick في عام 1932 وجود النيوترونات داخل النواة وحصل على جائزة نوبل عن اكتشافه هذا)·

وهكذا لم تتعرف البشرية على التركيب الحقيقي للذرة حتى هذا التاريخ القريب · لقد ذكرنا من قبل مدى صغر نواة الذرة· ويبلغ حجم البروتون القادر على أن يُوَجد داخل النواة الذرية 15-10 مترا ·

تعتقد أن مثل هذا الجسيم الصغير ليس له أي مغزى في حياة المرء· ومع ذلك، فإن هذه الجسيمات التي تعد من الصغر بمكان بحيث لا يمكن للعقل البشري أن يدركها هي التي تشكل أساس كل شيء تراه حولك
·



مصدر التنوع في الكون

لقد تم تعيين 109 عناصر حتى الآن· وتجدر الإشارة إلى أن الكون كله، وأرضنا، وجميع الكائنات الحية وغير الحية تتكون نتيجة ترتيب المائة والتسعة عناصر هذه في اتحادات متنوعة· وقد رأينا، حتى هذا الحد، أن جميع العناصر مؤلفة من ذرات تشبه بعضها البعض وتتألف، بدورها من الجسيمات نفسها· ولكن، إذا كانت جميع الذرات التي تتكون منها العناصر مؤلفة من الجسيمات نفسها، فما الذي يجعل العناصر تختلف عن بعضها البعض ويتسبب في تكوين مواد متنوعة لا حدود لها؟

إن عدد البروتونات في نوى الذرات هو الذي يفرق أساسا بين العناصر· إذ يوجد بروتون واحد في ذرة الهيدروجين، أخف العناصر، وبروتونان في ذرة الهليوم، ثاني أخف العناصر، و79 بروتونا في ذرة الذهب، و8 بروتونات في ذرة الأكسجين، و26 بروتونا في ذرة الحديد· ومن ثم، فإن ما يفرق الذهب عن الحديد والحديد عن الأكسجين ببساطة هو اختلاف أعداد البروتونات في ذراتها· ولا بد من الإشارة هنا إلى أن الهواء الذي نتنفسه وأجسادنا والنباتات والحيوانات والكواكب في الفضاء والأشياء الحية وغير الحية والمر والحلو والصلب والسائل وكل شيء في هذا الكون ··· يتألف في النهاية من بروتونات ونيوترونات وإلكترونات ·



الخط الفاصل للوجود المادي: الكواركات

حتى 20 عاما مضت، كان الاعتقاد السائد أن أصغر الجسيمات التي تتألف منها الذرات هي البروتونات والنيوترونات· ولكن اكتُشف، في وقت قريب جدا، أن في الذرة جسيمات أصغر بكثير تقوم بتكوين الجسيمات المذكورة آنفا ·

وقد أدى هذا الاكتشاف إلى ظهور فرع في الفيزياء يسمى ''فيزياء الجسيمات '' ''Particle Physics'' يبحث في ''الجسيمات دون الذرية '' ''sub-particles'' الموجودة داخل الذرة وحركاتها المحددة· وقد كشفت البحوث التي أجريت في فيزياء الجسيمات أن البروتونات والنيوترونات التي تتألف منها الذرة تتكون فعليا من جسيمات دون ذرية تسمى ''الكواركات '' ''quarks''


·



1- التيتانيوم
2- الياقوت الأصفر
3- البيريت
4- التوباز
5- الياقوت الأزرق
6- الكالسيت
7- النحاس
8- حجر الجير
9- الفلوريد
10- التوباز
11- الطلْق
12- الحديد

13- حجر الصنفرة
14- الفحم
15- الغليون
16- الكوارتز
17- كبريتات الباريوم
18- الفلسبار (سليكات الألومنيوم)
19- الماس
20- الأباتيت
21- الذهب
22-الفلسبار (سليكات الألومنيوم)
23- ملح الصخور
24- الكوارتز
ينشأ الاختلاف بين العناصر بسبب عدد البروتونات في نوى الذرات. وهذا الاختلاف هو الذي يجعل المواد المبيّنة أعلاه تبدو مختلفةً جداً عن بعضها البعض.


ولا بد أن نذكر هنا أن أبعاد الكواركات المكونة للبروتون، الذي يتخطى في صغر حجمه كـل قـدرات العـقـل البشـري علـى التخـيل، تثـير قـدرا أكـبر مـن الدهـشـة: 18-10 ( 0,000000000000000001 ) متراً ·

ولا يمكن أبدا للكواركات الموجودة داخل البروتونات أن تنفصل عن بعضها البعض لمسافات كبيرة جدا لأن ''القوة النووية الشديدة'' المسؤولة عن المحافظة على تماسك الجسيمات داخل النواة تمتد فعاليتها إلى هناك أيضا، إذ تعمل هذه القوة كشريط مطاطي بين الكواركات؛ فكلما زادت المسافة بين الكواركات، زادت أيضا هذه القوة بحيث لا يستطيع أي كواركين أن يبتعدا عن بعضهما البعض لأكثر من جزء من كوادريليون جزء من المتر· وتتكون هذه الشرائط المطاطية بين الكواركات بواسطة جلوونات gluons تمتلك القوة النووية الشديدة· ويوجد تفاعل قوي جدا بين الكواركات والجلوونات· ومع ذلك، لم يتمكن العلماء حتى الآن من اكتشاف كيفية حدوث هذا التفاعل ·



تتكون البروتونات والنيوترونات في نواة الذرة من جسيمات أصغر تسمى الكواركات.
وهناك بحوث يتم إجراؤها حاليا في مجال ''فيزياء الجسيمات'' للكشف عن عالم الجسيمات دون الذرية· ولكن، على الرغم من كل الذكاء، والوعي، والمعرفة الموجودة لدى البشرية، فإننا لم نتمكن إلا مؤخرا من اكتشاف الجسيمات الأساسية الحقيقية التي تكون كل شيء، بما في ذلك أنفسنا· وفضلا عن ذلك، كلما نقبنا في هذه الجسيمات، زادت التفاصيل المرتبطة بهذا الموضوع، مما يضعنا في موقف حرج عند حدود أبعاد الكواركات التي تبلغ 18-10 مترا· إذن، ما الذي يوجد وراء هذه الحدود؟

يقترح العلماء اليوم فرضيات متنوعة لهذا الموضوع، ولكن كما ذكرنا آنفا، يعتبر هذا الحد أبعد مرحلة تم التوصل إليها حتى الآن في الكون المادي· ولا يمكن التعبير عن كل الأشياء الموجودة وراء هذه النقطة إلا بوصفها طاقة، وليست مادة· ولكن النقطة المهمة فعلا هي أن الإنسان يجد، في موقع لم يتمكن من اكتشافه إلا في وقت قريب جدا، رغم كل الوسائل التكنولوجية الموجودة تحت تصرفه، توازنات وقوانين فيزيائية هائلة تعمل فعليا مثل الساعة· وعلاوة على ذلك، يوجد هذا الموقع داخل الذرة، التي تشكل وحدة بناء كل المادة الموجودة في الكون، والبشر كذلك ·

لقد بدأ الإنسان في وقت قريب جدا في التعرف على الآلية المتقنة التي تعمل دون توقف في أعضاء جسمه وأجهزته· وهو لم يكتشف آليات الخلايا المكونة لهذه التركيبات إلا منذ بضعة عقود فقط· ولكن الخلق الفائق الجلي في الذرات الموجودة في أساس الخلايا، والبروتونات والنيوترونات داخل الذرات، والكواركات داخل هذه الجسيمات يصل إلى درجة من الإتقان تثير ذهول الجميع، سواء كانوا من المؤمنين بالله أم من غير المؤمنين به· وتتمثل النقطة الأساسية التي يجب التأمل فيها هنا في أن كل هذه الآليات المتقنة تعمل بطريقة منتظمة في كل ثانية طوال حياة الإنسان، دون أي تدخل منه، ودون أن تخضع لسيطرته بتاتا· ومن الحقائق البديهية لكل من يستخدم ضميره وحكمته أن كل هذه الآليات قد خلقها الله سبحانه وتعالى

الجانب الآخر من الذرات: الإلكترونات

الإلكترونات هي جسيمات تدور حول نواة الذرة مثلما تدور الأرض حول محورها وحول الشمس أيضا· وتحدث عملية الدوران هذه، الشبيهة بتلك التي تقوم بها الكواكب، بشكل متواصل وبطريقة متقنة في مسارات تسمى المدارات· ولكن التناسب بين حجم الأرض والشمس مختلف تماما عن المقياس الذري· فلنعقد مقارنة بين حجم الإلكترونات وحجم الأرض: إذا قمنا بتكبير الذرة حتى تصل إلى حجم الأرض، سيكون الإلكترون في حجم التفاحة



في الرسم البياني على الجهة اليسرى، ترى أربعة أنواع مختلفة من مدارات الإلكترونات، حسب الحركة الموجية. وتتحرك الإلكترونات في المدارات بالطريقة نفسها تقريبا التي تتحرك بها الكواكب حول الشمس حسب خواص جسيماتها. وتحول حركات الإلكترونات المختلفة هذه دون رؤيتها بوضوح.


إن عشرات الإلكترونات التي تدور في مساحة من الصغر بمكان بحيث تتعذر رؤيتها حتى باستخدام أقوى الميكروسكوبات تتسبب في حركة مرور معقدة جدا داخل الذرة· ومن أكثر النقاط اللافتة للنظر هنا أن هذه الإلكترونات المحيطة بالذرة مثل درع من الشحنات الكهربائية لا تتعرض ولو لحادثة صغيرة· وفي الواقع، فإن أي حادث صغير داخل الذرة من شأنه أن يتسبب في حدوث كارثة بالنسبة إليها· ومع ذلك، لا يحدث مثل هذا الحادث مطلقا، وتسير العملية بأكملها دون أخطاء· ذلك أن الإلكترونات التي تدور حول النواة بسرعة مربكة للعقل تبلغ 1,000 كم/الثانية لا تتصادم أبدا ببعضها البعض· ومن المدهش حقا أن هذه الإلكترونات، التي لا تختلف عن بعضها البعض في شيء، تدور في مدارات منفصلة، ومن الواضح أن ذلك نتيجة ''خَلْق واع''· فلو كانت لهذه الإلكترونات كتل وسرعات مختلفة، فربما كان من الطبيعي بالنسبة إليها أن تستقر في مدارات مختلفة حول النواة· فعلى سبيل المثال، تسير الكواكب في نظامنا الشمسي وفقا لهذا المنطق، لأن من الطبيعي أن تستقر الكواكب ذات الكتل والسرعات المختلفة تماما في مدارات مختلفة حول الشمس· ولكن وضع الإلكترونات في الذرة مختلف تماما عن وضع تلك الكواكب· فالإلكترونات متشابهة تماماً ولكنها تدور في مدارات مختلفة حول النواة، ولكن كيف تتبع الإلكترونات هذه المسارات دون إخفاق؟ وكيف لا تصطدم ببعضها البعض على الرغم من أبعادها متناهية الصغر وسرعاتها المدهشة التي تتحرك بها؟ وتقودنا هذه الأسئلة إلى نقطة واحدة: تتجسد الحقيقة الوحيدة التي نواجهها في هذا النظام الفريد والتوازن الدقيق في الخلق المتقن الذي أبدعه الله سبحانه وتعالى ·


هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ لَهُ الْأَسْمَاء الْحُسْنَى يُسَبِّحُ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ . سورة الحشر: 24 .

الإلكترونات هي جسيمات صغيرة تبلغ تقريبا جُزأَين من الألف من حجم النيوترونات والبروتونات· وتحتوي الذرة على العدد نفسه من الإلكترونات والبروتونات، ويحمل كل إلكترون شحنة سالبة (-) تساوي الشحنة الموجبة (+) التي يحملها كل بروتون· ويؤدي إجمالي الشحنات الموجبة (+) في النواة وإجمالي الشحنات السالبة (-) في الإلكترونات إلى إلغاء بعضها البعض فتصبح النواة متعادلة الشحنة · وتقوم الشحنة الكهربائية التي تحملها الإلكترونات بإجبارها على اتباع قوانين فيزيائية معينة·

ويتمثل أحد القوانين الفيزيائية هذه في أن ''الشحنات الكهربائية المتشابهة تتنافر عن بعضها البعض والشحنات المتضادة تجذب بعضها البعض ''

أولاً، في الظروف الاعتيادية، يتوقع من الإلكترونات، سالبة الشحنة، أن تتنافر عن بعضها البعض وفقا لهذه القاعدة وأن تنطلق بعيدا عن النواة· ولكن هذا لا يحدث· ذلك أنه إذا تناثرت الإلكترونات بعيدًا عن النواة، فسيتألف الكون من بروتونات، ونيوترونات، وإلكترونات عاطلة تجوب الفراغ· ثانيا، يتوقع من النواة موجبة الشحنة أن تجذب الإلكترونات سالبة الشحنة، ومن ثم تلتصق الإلكترونات بالنواة· وفي هذه الحالة، ستجذب النواة جميع الإلكترونات وتنفجر الذرة إلى الداخل ·

ومع ذلك، لا يحدث أي من تلك الأشياء· ذلك أن سرعات الإفلات غير العادية للإلكترونات المذكورة آنفا ( 1,000كم/ الثانية)، والقوة التنافرية التي تؤثر بها على بعضها البعض، وقوة الجذب التي تؤثر بها النواة على الإلكترونات مبنية على قيم دقيقة جدا تؤدي إلى توازن هذه القوى الثلاث المتضادة مع بعضها البعض بشكل متقن· ونتيجة لذلك، يعمل هذا النظام المدهش الموجود داخل الذرة دون أن ينهار· ولو كانت واحدة فقط من هذه القوى المؤثرة في الذرة أشد أو أضعف قليلا مما يجب أن تكون عليه، لما كان للذرة أي وجود ·

وبالإضافة إلى هذه العوامل، فلو لم يكن هناك وجود للقوى النووية التي تربط البروتونات والنيوترونات ببعضها البعض، لما تسنى حتى للبروتونات التي تحمل شحنات متساوية أن تقترب من بعضها البعض، ناهيك عن الارتباط ببعضها البعض داخل نواة· وبنفس الطريقة، لما تمكنت النيوترونات أبدا من الالتصاق بالنواة· ونتيجة لذلك، لما كانت هناك أية نواة، وبالتالي، أية ذرة ·

وتشير كل هذه الحسابات الدقيقة إلى أنه حتى الذرة الواحدة ليست عاطلة بل تتصرف تحت سيطرة كاملة من الله سبحانه وتعالى· ولو لم تكن الحال كذلك، لكان من الحتمي أن ينتهي الكون الذي نعيش فيه قبل أن يبدأ· وكانت هذه العملية ستأتي بنتائج عكسية منذ البداية ولم يكن الكون ليتكون· ومع ذلك، فقد وضع الله، خالق كل شيء، المقتدر القوي، توازنات دقيقة جدا داخل الذرة - شأنها شأن كل التوازنات الأخرى في الكون - ما زالت الذرة بفضلها مستمرة في الوجود بنظام متقن ·

لقد بذل العلماء أقصى جهودهم على مدى السنين لإيجاد حل لسر هذا التوازن الذي وضعه الله، وقد انتهوا إلى مجرد تحديد مسميات معينة لظواهر مرصودة مثل ''القوة الكهرومغناطيسية''، و''القوة النووية الشديدة''، و''القوة النووية الضعيفة''، و''قوة جذب الكتل'' ··· ولكن، كما ورد في مقدمة الكتاب، لم يفكر أي أحد في السؤال ''لماذا؟

··· لماذا تعمل هذه القوى عند شِدّات معينة وفقا لقواعد معينة؟ لماذا يوجد كل هذا التوافق الكبير بين هذه المجالات التي تخضع لهذه القوى، وشِدّاتها، والقواعد التي تتبعها؟ لقد أصيب العلماء باليأس في مواجهة كل هذه الأسئلة لأن كل ما يستطيعون فعله هو تخمين الترتيب الذي جرت به هذه الأحداث· ومع ذلك، فقد نشأت عن بحوثهم حقيقة غير قابلة للجدال ألا وهي: إن كل نقطة في الكون تكشف عن تدخل مالك الحكمة والإرادة الذي لا يترك حتى ذرة واحدة عاطلة· وتوجد قوة واحدة تبقي كل القوى مع بعضها البعض في توافق، وهذه القوة هي الله سبحانه وتعالى، مالك كل القدرة والقوة· ويبدي الله قوته أينما يشاء ووقتما يشاء· وهكذا، فإن بقاء الكون كله في الوجود، من أصغر الذرات إلى المجرات اللانهائية، مرهون فقط بمشيئة الله وحفظه ·


 


ويقول الله في محكم آياته إنه لا قوة غير قوته، ويبين عقاب أولئك الذين يفترضون، دون إدراك لهذا، أن مخلوقات الله التي لا حول لها ولا قوة (سواء كانت حية أو غير حية) تمتلك من دونه قوة وقدرة ذاتية، وينسبون لها صفات إلهية ·

وَمِنَ النَّاسِ مَن يَتَّخِذُ مِن دُونِ اللّهِ أَندَاداً يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللّهِ وَالَّذِينَ آمَنُواْ أَشَدُّ حُبًّا لِّلّهِ وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُواْ إِذْ يَرَوْنَ الْعَذَابَ أَنَّ الْقُوَّةَ لِلّهِ جَمِيعاً وَأَنَّ اللّهَ شَدِيدُ الْعَذَابِ . سورة البقرة: 165 .

وحتى الآن، لم يستطع أي عالم أن يفسر سبب القوى الموجودة في الذرة ومصدرها، ومن ثم تلك الموجودة في الكون، والسبب في أن بعض القوى تعمل في ظروف معينة· ولا يفعل العلم شيئا غير تسجيل الملاحظات، والقياسات، وتعيين ''أسماء'' لها ·

وتعد مثل هذه ''التسميات'' اكتشافات عظيمة في دنيا العلوم· وفي الواقع، إن ما يقوم به العلماء ليس محاولة لتكوين توازن جديد في الكون أو بناء نظام جديد وإنما هو مجرد جهد لفهم سر التوازن الجلي في الكون وتوضيحه· وإن ما يفعله هؤلاء العلماء في الغالب هو مجرد رصد لواحدة من عجائب خلق الله في الكون، التي لا حصر لها، وتعيين اسم لها· ويحصل العلماء الذين يكتشفون نظاما أو تركيبا فائقا من خلق الله على جوائز علمية متنوعة، ويحظون باحترام الآخرين وإعجابهم· وفي هذه الحالة، فإن من يستحق الاحترام حقا هو، بلا شك، الله الرحمن الرحيم، الذي أوجد هذا النظام حينما كان عدما، وزوده بتوازنات بالغة الدقة، الله الذي يخلق معجزات غير عادية ولا نهاية لها ·

إِنَّ فِي اخْتِلاَفِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَمَا خَلَقَ اللّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَّقُونَ .

سورة يونس: ·6




الجسيمات المسرعة
المسرِّعات وأجهزة التصادم
يمكن دراسة الجسيمات التي هي وحدات بناء المادة من خلال البحث في الجسيمات التي تصغر الذرة بملايين المرات. ولا يمكن إجراء البحوث على هذه الجسيمات بالغة الصغر إلا باستخدام أدوات تجريبية في غاية الضخامة والتعقيد خاصة بفيزياء الجسيمات. ولا يمكن التحكم في مثل هذه التجارب شديدة التعقيد إلا من خلال الاستخدام المكثف لأجهزة الكمبيوتر.

ويجب أن نشير هنا إلى أن فيزياء الجسيمات عالية الطاقة هي مجال من المجالات العلمية التي تدرس وحدات بناء المادة والتفاعلات التي تحدث بينها. وتمكننا التجارب الأخيرة التي أُجريت باستخدام التكنولوجيا الحديثة المتقدمة من الإسراع في توسيع معارفنا حول تركيب المادة. وتجرَى بحوث فيزياء الجسيمات في مختبرات مسرِّعات الجسيمات التي يبلغ قطرها عدة كيلومترات. وفي مسرِّعات الجسيمات، تُسرَّع الجسيمات المشحونة - معظمها من البروتونات والإلكترونات - لتصل إلى سرعات كبيرة جدا في مجال كهرومغناطيسي ثم تُوجَّه إلى حجرة غيمية cloud chamber . وبعد ذلك، تجبَر الجسيمات المسرَّعة على الاصطدام إما بأهداف ثابتة أو ببعضها البعض. وتتم دراسة الجسيمات المبعثرة الناتجة عن هذه التصادمات باستخدام نظم كشف متنوعة.

ومن خلال تكنولوجيات المسرِّعات ونظم الكشف، التي تطورت كثيرا بدءاً من خمسينيات القرن العشرين وما بعدها، أصبحت التصادمات عالية الطاقة ممكنة. ولا شك في أن دراسة هذه التصادمات بنظم الكشف المتقدمة قد مهدت الطريق لاكتشاف حقيقة أن البروتونات والنيوترونات، المعروف عنها أنها أساس المادة، تحتوي على تركيبات دون ذرية مؤلفة من جسيمات تسمى الكواركات. ولا بد من الإشارة هنا إلى أن القياسات التي أُجريت عند مستويات الطاقة العالية أتاحت الفرصة للعلماء لكي يدرسوا تركيب المادة عند مسافات تصل في صغرها إلى جزء من مائة جزء من نصف قطر البروتون. ولا توجد مختبرات المسرِّعات إلا في بضع مراكز عالمية، لأن تكلفة إنشائها وتشغيلها باهظة جداً. وأهم هذه المختبرات هي: مختبر سيرن CERN (جنيف)، ومختبر ديسي DESY (هامبورج)، ومختبر فيرميلاب- فنال Fermilab-FNAL (شيكاغو)، ومختبر إس. إل. سي SLC (كاليفورنيا). وتشارك في هذه المراكز مجموعات كبيرة من فيزيائيي الطاقة العالية لإجراء دراسات تجريبية لمعرفة أسرار الذرة. ومن بين هذه المختبرات، يوجد مختبر إس. إل. سي الذي يبلغ قطره 35 كم ومختبر سيرن الذي يبلغ قطره 27 كم. ومع ذلك، فإن البطل الحقيقي في مسابقة الحجم هذه هو المشروع الأمريكي إس. إس. سي SSC الذي يجري إنشاؤه في قلب تكساس بالولايات المتحدة، والذي يبلغ محيط قطره نحو 85 كم. وتزداد تكلفة المعدات بتناسب مباشر مع الحجم (بالنسبة إلى مختبر إس. إس. سي، سيصل هذا الرقم إلى نحو 6 بلايين دولار تقريباً). 20


مدارات الإلكترونات

إن وجود عشرات الإلكترونات، التي تلف وتدور في منطقة لا يمكن ملاحظتها حتى باستخدام أقوى الميكروسكوبات، ينشأ عنه حركة مرورية معقدة داخل الذرة كما ذكرنا من قبل· ومع ذلك، تسير حركة المرور هذه بنظام بالغ يفوق أكثر حركات المرور نظاما داخل المدن ويجعلها فوق مستوى المقارنة بها· ولا تصطدم الإلكترونات ببعضها البعض أبدا، لأن لكل إلكترون مدارا منفصلا وهذه المدارات لا تلتقي عند نقطة مشتركة أبدا ·

وتوجد سبعة أغلفة إلكترونية حول نواة الذرة· وقد تم تحديد أعداد الإلكترونات في هذه الأغلفة الإلكترونية السبعة، التي لا تتغير أبدا، بواسطة معادلة رياضية هي: ·2n2 ومن خلال هذه المعادلة، يتحدد الحد الأقصى من الإلكترونات، الذي يمكن أن يوجد في كل غلاف إلكتروني محيط بالذرة· (يوضح الحرف n في المعادلة رقم الغلاف الإلكتروني .



تدور الإلكترونات في مدار معقد للغاية داخل الذرة. وعلى الرغم من أن هذا المكان الصغير تتشكل فيه بيئة أكثر ازدحاما بكثير من حركة المرور بالمدينة، فإنه لا يقع فيه أي حادث على الإطلاق.


الإله هو الذي يخلق كل شيء بنسب، ومقاييس، ونظم متقنة وقوانين دقيقة· وتشمل هذه النسب والمقاييس عالم الكائنات كله من أصغر الجسيمات دون الذرية إلى الأجرام السماوية العملاقة في الفضاء: أي النظم الشمسية والمجرات وكل شيء بينهما· وقد نشأ كل ذلك نتيجة لقدرة الله وعلمه وإبداعه وحكمته المطلقة· ويجلِّي الله سبحانه وتعالى صفاته للبشر فيما يخلقه من الكائنات والنظم بمقاييس ونظم وتوازنات متقنة· ويبدي قوته اللانهائية أمام أعيننا· هذه هي الحقيقة التي ينبغي أن يتوصل إليها الإنسان من خلال جميع البحوث والحسابات العلمية ·

موجة أم جسيم؟

عندما اكتشفت الإلكترونات لأول مرة، كان يُعتقد أنها جسيمات مثل البروتونات والنيوترونات الموجودة في النواة· ولكن في التجارب اللاحقة، اكتشف أنها تظهر خصائص موجية مثل الجسيمات الضوئية، أي، الفوتونات photons. وفيما بعد، توصل فيزيائيو الكم إلى استنتاج بأن كل جسيم هو في الوقت نفسه شكل موجي له تردده المميز له ·

ومن المعروف أن الضوء ينتشر بطريقة شبيهة بانتشار الموجات الصغيرة التي تتكون على سطح الماء عند إلقاء حجر في بحيرة· ومع ذلك، يحمل الضوء أحيانا خصائص جسيم المادة ويظهر في شكل نبضات متفرقة ومتقطعة مثل قطرات المطر الساقطة على زجاج النافذة· وقد لوحظ أن الإلكترون لديه أيضا هذه الطبيعة المزدوجة، مما أدى إلى حدوث ارتباك كبير في دنيا العلوم· وبفضل الكلمات التالية لريتشارد فينمان Richard Feynman ، أستاذ الفيزياء النظرية الشهير، اختفى كل هذا الارتباك :

''نحن نعرف الآن كيف تتصرف الإلكترونات والضوء· ولكن ماذا يمكنني أن أسمي ذلك؟ إذا قلت إنهما يتصرفان مثل الجسيمات فسأعطي انطباعا خاطئا؛ وكذلك الحال إذا قلت إنهما يتصرفان مثل الموجات· ذلك أنهما يتصرفان بطريقة فريدة خاصة بهما، يمكن أن تُسمّى تقنيا بالطريقة الكمية الميكانيكية· فهما يتصرفان بطريقة لم يُر مثلها قط ··· فالذرة لا تتصرف مثل ثقل متدل من زنبرك يتذبذب، كما أنها لا تتصرف مثل صورة مصغرة من النظام الشمسي مع وجود كواكب صغيرة تدور في مدارات· وهي أيضا لا تبدو مثل نوع من سحاب أو ضباب يحيط بالنواة· إنها تتصرف بطريقة لم يُر مثلها قط· ويوجد إيضاح واحد لذلك على الأقل، وهو أن الإلكترونات تتصرف في هذا الصدد بالطريقة نفسها التي تتصرف بها الفوتونات بالضبط؛ فكلاهما يتصرف بغرابة، ولكن بنفس الطريقة بالضبط· لذلك، يتطلب إدراك طريقة تصرفهما قدرا كبيرا من التخيل، لأننا سنصف شيئا مختلفا عن أي شيء عرفته في حياتك''·21



21ونتيجة لعجز العلماء التام عن تفسير سلوك الإلكترونات، فقد أطلقوا، كحل للمعضلة، اسماً جديداً على هذا السلوك هو: ''الحركة الكمية الميكانيكية'' ''Quantum Mechanical Motion''. دعونا نستشهد مرة أخرى بالأستاذ فينمان الذي يوضح في الكلمات التالية الطبيعة غير العادية لهذا السلوك وما يحس به من رهبة تجاه هذا السلوك :

لا تظل تقول لنفسك، إذا كان باستطاعتك أن تتجنب ذلك، ''ولكن كيف يمكن أن تسير الأمور كذلك؟'' لأنك ''ستضيع وقتك هباء''، وستدخل نفسك في زقاق مظلم لم يفلت منه أحد حتى الآن· لا أحد يعرف كيف يمكن أن تسير الأمور كذلك''·22

ولكن الزقاق المظلم الذي يشير إليه فينمان هنا ليس كذلك في الواقع· إذ يكمن السبب الذي يجعل بعض الأشخاص غير قادرين أبدا على اكتشاف مخرج من هذه الورطة في أنه على الرغم من كثرة الأدلة، فإنهم لا يستطيعون أن يتقبلوا أن هذه النظم والتوازنات المدهشة قد أوجدها الله جل جلاله· والوضع في غاية الوضوح؛ فقد خلق الله سبحانه وتعالى الكون عندما كان عدما، وزوده بتوازنات غير عادية، وأوجده دون أن يستعين بأي مثال سابق· ''كيف يمكن أن تسير الأمور كذلك؟ '' ··· تكمن الإجابة على سؤال العلماء هذا، الذي يتعذر حله، وفهمه، في حقيقة أن الله هو خالق كل شيء وأنه لا يمكن أن يوجد أي شيء في الكون إلا بأمره

العالم مليء بألوان تفتَحُ الإلكتروناتُ بواباتِها

هل فكرت في أي وقت من الأوقات كيف ستكون الحال لو أنك عشت في عالم بدون ألوان؟ حاول أن تتخيل جسدك، الناس المحيطين بك، البحار، السماء، الأشجار، الزهور، باختصار، كل شيء أسود· إنك لن ترغب أبدا في العيش في عالم كهذا، أليس كذلك؟

ولكن، ما الذي يجعل الأرض غنية بالألوان؟ ما الذي يؤدي إلى نشوء الألوان، التي تضفي على عالمنا جمالا غير عادي؟

توجد خصائص معينة في طبيعة المادة تسمح لنا بإدراك الأجسام بالألوان· إذ تتكون الألوان نتيجة طبيعية لحركات معينة للإلكترونات داخل الذرة· وهنا قد تسأل نفسك: ''وما علاقة حركات الإلكترونات بالألوان؟'' دعونا نفسر هذه العلاقة باختصار :

لا تدور الإلكترونات في غير أغلفتها الإلكترونية· وقد ذكرنا من قبل أن هناك سبعة أغلفة إلكترونية· ولكل غلاف إلكتروني مستوى محدد من الطاقة، يختلف حسب بُعد الغلاف عن النواة· وكلما اقترب الغلاف الإلكتروني من النواة، قلت طاقة إلكتروناته·

وكلما ابتعد الغلاف عن النواة، زادت طاقة إلكتروناته · ولكل غلاف إلكتروني ''أغلفة فرعية '' ''sub-shells'' ، تتحرك فيما بينها إلكترونات هذا الغلاف باستمرار· ويحتاج الإلكترون إلى طاقة خارجية لكي يستطيع أن ينتقل إلى الخارج بين الأغلفة· ويتمثل مصدر هذه الطاقة في ''الفوتون ''·

وبعبارات بسيطة، الفوتون هو ''جسيم ضوئي''· وكل نجم في الكون هو مصدر للفوتونات· ويتجسد أهم مصدر للفوتونات في عالمنا، بالطبع، في الشمس· وتنتشر الفوتونات من الشمس في جميع أرجاء الفضاء بسرعة 300,000كم في الثانية ·

وعندما تصطدم هذه الفوتونات القادمة إلى الأرض من الشمس بذرات الأجسام الموجودة على الأرض، تبدأ إلكترونات الذرات أحيانا في الانتقال· وإذا استطاعت الإلكترونات القادرة على الانتقال بمساعدة هذه الطاقة أن ترتفع إلى غلاف ذي مستوى طاقة أعلى ثم تعود بعد ذلك إلى غلافها الأصلي، عندئذ ينبعث منها فوتون يقوم بتشكيل اللون الذي سيقابل أعيننا· وتجدر الإشارة إلى أن كل عملية من هذه العمليات التي أوجزناها في الجمل القليلة المذكورة آنفاً ظلت مستمرة منذ بدء الخليقة دون انقطاع· وتعمل كل خطوة بانتظام وفقا لخطة عظيمة· وإذا لم يعمل جزء واحد فقط من هذا التفاعل القائم بين الإلكترونات والفوتونات، فسينتج عن ذلك كون مظلم بلا ألوان ·

دعونا مرة أخرى نعدد هذه الخطوات التي يجب أن تعمل وفقا للخطة الموضوعة حتى يتكون كون مُلوَّن بدلا من كون مظلم · -

ينتشر الضوء القادم من الشمس إلى الأرض في شكل جسيمات فوتونية تنتشر حول الأرض وتصطدم بذرات المواد · -

لا تستطيع الفوتونات أن تتنقل لمسافة طويلة داخل الذرات، فتصطدم بالإلكترونات التي تدور حول النواة · -

تمتص الإلكترونات هذه الفوتونات التي تصطدم بها · -

عندما تكتسب الإلكترونات طاقة الفوتونات التي تمتصها، تقفز إلى غلاف آخر ذي مستوى أعلى من الطاقة · -

تحاول هذه الإلكترونات أن تعود إلى حالاتها الأصلية · -

وأثناء رجوعها إلى أغلفتها الأصلية، تُطلق فوتونات مشحونة بالطاقة · -

تحدد هذه الفوتونات التي تُطلقها الإلكترونات لون ذلك الجسم

وعندما تصطدم هذه الفوتونات القادمة إلى الأرض من الشمس بذرات الأجسام الموجودة على الأرض، تبدأ إلكترونات الذرات أحيانا في الانتقال· وإذا استطاعت الإلكترونات القادرة على الانتقال بمساعدة هذه الطاقة أن ترتفع إلى غلاف ذي مستوى طاقة أعلى ثم تعود بعد ذلك إلى غلافها الأصلي، عندئذ ينبعث منها فوتون يقوم بتشكيل اللون الذي سيقابل أعيننا· وتجدر الإشارة إلى أن كل عملية من هذه العمليات التي أوجزناها في الجمل القليلة المذكورة آنفاً ظلت مستمرة منذ بدء الخليقة دون انقطاع· وتعمل كل خطوة بانتظام وفقا لخطة عظيمة· وإذا لم يعمل جزء واحد فقط من هذا التفاعل القائم بين الإلكترونات والفوتونات، فسينتج عن ذلك كون مظلم بلا ألوان ·

دعونا مرة أخرى نعدد هذه الخطوات التي يجب أن تعمل وفقا للخطة الموضوعة حتى يتكون كون مُلوَّن بدلا من كون مظلم · -

ينتشر الضوء القادم من الشمس إلى الأرض في شكل جسيمات فوتونية تنتشر حول الأرض وتصطدم بذرات المواد · -

لا تستطيع الفوتونات أن تتنقل لمسافة طويلة داخل الذرات، فتصطدم بالإلكترونات التي تدور حول النواة · -

تمتص الإلكترونات هذه الفوتونات التي تصطدم بها · -

عندما تكتسب الإلكترونات طاقة الفوتونات التي تمتصها، تقفز إلى غلاف آخر ذي مستوى أعلى من الطاقة · -

تحاول هذه الإلكترونات أن تعود إلى حالاتها الأصلية · -

وأثناء رجوعها إلى أغلفتها الأصلية، تُطلق فوتونات مشحونة بالطاقة · -

تحدد هذه الفوتونات التي تُطلقها الإلكترونات لون ذلك الجسم ·

وتلخيصا لما سبق، يتشكل لون الجسم في الواقع من مزيج من هذه الجسيمات الضوئية التي يمتصها هذا الجسم ثم يطلقها وتصل إلى أعيننا· وتجدر الإشارة هنا إلى أن لون الجسم - الذي لا ينبعث منه هو نفسه ضوء بل يعكس الضوء الذي يحصل عليه من الشمس - يعتمد على كل من الضوء الذي يحصل عليه والتغيير الذي يُحدثه في هذا الضوء· وإذا كان الجسم المنار بالضوء الأبيض يظهر ''أحمر'' اللون، فإن ذلك يرجع إلى أنه يمتص جزءا كبيرا من المزيج الذي يصل إليه من أشعة الشمس وينبعث منه اللون الأحمر فقط· وعندما نقول ''يمتص''، فإننا نعني التالي :

كما ذكرنا من قبل، فإن كل غلاف إلكتروني تتبعه أغلفة فرعية وإلكترونات تنتقل بين هذه الأغلفة الفرعية· ويقابل كل غلاف مستوى محدد من الطاقة، وتحمل الإلكترونات أقصى قدر من الطاقة يسمح به مستوى طاقة الغلاف الذي تدور فيه· وتتسم الأغلفة الأبعد مسافة عن النواة بمستوى أعلى من الطاقة· وعندما يتوفر حيز لإلكترون واحد في غلاف أعلى، يختفي الإلكترون فجأة، ثم يعاود الظهور مرة أخرى في الغلاف الفرعي الذي يتسم بمستوى أعلى من الطاقة· ولكن لكي يقوم الإلكترون بهذه الخطوة، يجب أن يرفع مستوى طاقته إلى المستوى المطلوب في الغلاف الذي سيقفز إليه· ويزيد الإلكترون من مستوى طاقته عن طريق امتصاص (ابتلاع) الجسيمات الفوتونية القادمة من الشمس ·

70% من الأشعة التي تصل إلى أرضنا من الشمس تلائم تماما وجود حياة على الأرض.

y. تقوم الأصباغ الموجودة على الفراشة بامتصاص ضوء الشمس كله ولكنها تعيد إطلاق اللون الأزرق فقط· وعندما تصل جسيمات الضوء الخاصة بهذا اللون المنعكس إلى شبكية العين، تتحول إلى إشارات كهربائية بواسطة الخلايا المخروطية الموجودة في الشبكية بحيث يتم إدراكها بوصفها لونا أزرق ثم تنتقل إلى الدماغ· وفي النهاية، يتكون اللون الأزرق في الدماغ ·

ويعني هذا أن لون الجسم يتوقف على خصائص الضوء المنبعث من مصدر الضوء وكمية الضوء التي يقوم الجسم موضع البحث بإعادة إطلاقها· فمثلا، لون الفستان يختلف تحت ضوء الشمس عنه في المتجر· وإذا كان دماغنا يدرك جسما بوصفه أسود، فإن هذا يعني أن ذلك الجسم يمتص كل الضوء القادم من الشمس ولا يعكس منه شيئا إلى الخارج· وبنفس الطريقة، إذا عكس الجسم كل الضوء القادم من الشمس ولم يمتص منه أي جزء، يدركه دماغنا بوصفه أبيض· وفي هذه الحالة، تتمثل النقاط التي تحتاج إلى دراسة متأنية فيما يلي :

·1 يتوقف لون الجسم على خصائص الضوء المنبعث من مصدر الضوء ·

·2 يتوقف لون الجسم على رد فعل إلكترونات الجزيئات الموجودة في تركيبه، من حيث نوع الضوء الذي ستمتصه هذه الإلكترونات والنوع الذي لن تمتصه ·

·3 يتوقف لون الجسم على كيفية إدراك دماغنا للفوتون الذي يصطدم بالشبكية ·

دعونا نتوقف هنا ونفكر مرة أخرى ·

إن الإلكترونات التي تدور بسرعة مدهشة حول نواة الذرة، التي هي عبارة عن مادة أصغر من أن ترى بالعين المجردة، تختفي فجأة من أغلفتها وتقفز إلى مكان آخر يسمى الغلاف الفرعي· ولا بد أيضا من وجود فراغ على الغلاف الفرعي ليستوعب هذه الوثبة· وتحصل الإلكترونات على الطاقة التي تحتاجها أثناء هذه العملية عن طريق امتصاص الفوتونات، ثم تعود مرة أخرى إلى مداراتها الأصلية· وأثناء هذه العملية، تتكون الألوان التي تدركها العين البشرية· وبالإضافة إلى ذلك، فإن الذرات التي يتم التعبير عن أعدادها بآلاف البلايين تظل تقوم بهذه العملية كل لحظة، وبفضل هذه العملية نستطيع أن نرى ''صورة'' غير متقطعة ·

تصل إلى الأرض من الشمس تشكيلة كبيرة جدا من الأشعة. وكما هو مبين في الطيف الكهرومغناطيسي بالجهة اليسرى، نحن لا ندرك سوى نسبة صغيرة جدا من هذه الأشعة.

ولا يمكن مقارنة هذه الآلية الرائعة بطريقة عمل أية آلة من صنع الإنسان· فعلى سبيل المثال، تتميز الساعة في حد ذاتها بآلية معقدة جدا، وينبغي أن توضع كل أجزاء الساعة (التروس، والأقراص، والمسامير الملولبة، والصواميل، إلخ) في الأماكن الصحيحة وبالطريقة الصحيحة لكي تعمل الساعة كما ينبغي· وأصغر مشكلة في هذه الآلية تؤدي إلى إعاقة عمل الساعة· ولكن، عندما نفكر في تركيب الذرة وآلية عمل الإلكترونات المذكورة آنفا، فإننا ندرك بشكل أفضل بساطة تركيب الساعة· وكما قلنا، تتسم آلية الإلكترونات بقدر فائق من التعقيد، والإتقان، والخلو من العيوب بحيث لا يمكن مقارنتها بأي نظام من صنع الإنسان· ولا يوجد أدنى شك في أن وجود نظام بهذا القدر من التعقيد المربك للذهن وعمله بمنتهى الإتقان لم يحدث تلقائيا نتيجة المصادفة، كما يدعي العلماء الماديون· ودعونا الآن نطرح السؤال التالي: إذا رأيت أثناء سيرك في الصحراء ساعة ملقاة تعمل على سطح الأرض، هل ستعتقد أن هذه الساعة قد تكونت من الغبار والرمال والتراب والأحجار بمحض المصادفة؟ لن يعتقد أحد ذلك، لأن دقة التصميم والحكمة المستخدمة في الساعة واضحة جدا· ومع ذلك، فإن التصميم والحكمة الموجودين في ذرة واحدة، كما ذكرنا آنفا، يفوقان على نحو لا يضاهَى نظيريهما في أية آلة من صنع الإنسان· ومالك هذه الحكمة هو الله، صاحب العلم الأعلى، الذي يعلم، ويرى، ويخلق كل شيء ·

قودنا التصميم الفائق في تكوين الألوان إلى حقيقة واحدة: لقد خُلق الكون بانسجام ونظام عظيمين بدءا من أصغر جسيماته إلى أكبرها. ويعتبر الإبداع الفني الموجود في الألوان إحدى العلامات الدالة على خلق الله المتقن.

لقد خلق الله في كل ''مكان'' ما يمكن أن نراه وما لا يمكن أن نراه بإبداع فني لا حدود له، ومنَّ علينا بنعم سخرها لخدمتنا، سواء أدركنا وجودها أم لم ندرك· لقد لفت التقدم العلمي انتباهنا إلى موضوع الألوان بكل تفاصيله وتعقيداته التي لم نكن نعرف عنها شيئا من قبل، ولم نشعر بالحاجة لمعرفة شيء عنها· ولا يمكن إنكار أن التقدم والتطور العلميين لا بد أن يقودا كل من يستخدم حكمته وضميره إلى الإيمان بوجود الله· وعلى الرغم من ذلك، فما زال هناك أشخاص ينكرون الحكمة والإبداع الفني الفائق الملاحَظ في كل مكان من الكون· لقد أبدى العالم المعروف، لوي باستور Louis Pasteur ، ملاحظة مشوقة حول هذا الموضوع، إذ قال: ''إن قلة العلم تبعدك عن الله ولكن كثرته تجذبك إليه''·

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق