الثلاثاء، 23 سبتمبر، 2014

حساب التعقيد الغير القابل للاختزال في النظم الكيميائية الحيوية

حساب التعقيد الغير القابل للاختزال في النظم الكيميائية الحيوية.

 ويليام دومبسكي و جوناثان ويلز 



العقبات التي يجب على التطور اجتيازها:

في محاولتها لتنسيق التغيرات التطورية المتتالية الضرورية لإيجاد الآلات الجزيئية المعقدة، فإن الآلية الداروينية تواجهها سلسلة من العقبات التي من بينها ما يلي:

الجاهزية: هل الأجزاء الضرورية لتطوير نظام كيميائي حيوي معقد بشكل غير قابل للاختزال كالسوط البكتيري جاهزة؟

التزامن: هل تلك الأجزاء جاهزة في الوقت الصحيح بحيث يمكن إدماجها عندما يحتاجها النظام خلال تطوره؟


التموقع: حتى ولو كانت الأجزاء متوفرة في التوقيت الصحيح لكي تندمج في نظام آخر أثناء تطوره، فهل يمكنها أن تنفصل عن النظم التي كانت مندمجة فيها (دون أن تلحق بتلك النظم أي أدى) حتى تنصهر فيما بعد في "مكان بناء" النظام خلال تطوره؟


تفاعلات التداخل: فلنفترض أن مسألة قدرة الأجزاء على التجمع فيما بينها في المكان و الزمان المناسبين قد تحققت فعلا، فكيف استطاعت الأجزاء الأخرى الغير الصالحة و التي يجب إزالتها أن تستبعد من "مكان بناء" النظام خلال تطوره؟


تطابق الواجهة: هل الأجزاء التي تم جمعها لضمها في النظام أثناء تطوره تعتبر متطابقة فيما بينها حتى يكون بإمكانها التأقلم و التموضع بشكل صحيح مما يمكن أن يتيح لها العمل سويا لإنتاج نظام وظيفي؟


الترتيب في عملية التجميع: و حتى مع جميع الأجزاء في الموضع الصحيح و الوقت الصحيحين و حتى مع التطابق التام في الواجهة. هل ستتم عملية التجميع وفق الترتيب الصحيح بهدف تشكيل نظام وظيفي؟


الإعداد (Configuration): و حتى لو كانت جميع الأجزاء الصحيحة مبرمجة لكي تتجمع وفق الترتيب الصحيح. هل سيرتبون أنفسهم بالشكل الصحيح بهدف إنتاج نظام يعمل بشكل صحيح؟

لفهم المسائل المتعلقة بتجاوز هذه العقبات، تخيل أنك أجير شغل قد تم التعاقد معك على أساس بناء منزل ما. و من أجل إتمام بنائه بنجاح، فأنت بحاجة إلى تجاوز كل واحدة من هذه العقبات:


أولا عليك ملاحظة ما إذا كانت جميع الوسائل الضرورية من أجل بناء المسكن متوفرة (الطوب، اللوحات الخشبية، الأسلاك الكهربائية، الأنابيب،...) و أنها جاهزة للاستعمال.


 ثانيا، عليك التأكد من إمكانية الحصول على جميع هذه الأدوات الضرورية داخل إطار زمني معقول. مثلا، إذا ما سلمت الأدوات عكس ما يجب أن يكون عليه الأمر حسب معيار الأولوية على طول مدة البناء، حينها سوف لن يكون بإمكانك إتمام البناء خلال المدة الزمنية المتفق عليها في العقد، و بالتالي فإن جاهزية الأدوات يجب أن تكون متزامنة.


ثالثا، يجب نقل جميع الأدوات إلى مكان البناء. أي بصيغة أخرى، جميع الأجزاء الضرورية لبناء المسكن يجب أن تتواجد في المكان الصحيح الذي ستتم فيه عملية البناء.


 رابعا، يجب عليك تنظيف مكان البناء من الشوائب و من كل ما يمكنه أن يتداخل مع عملية البناء أو يعيقها كانبعاثات بقايا الإشعاعات أو أنابيب المناجم المتفجرة لأن وجود مثل هذه الشوائب سوف لن يسمح ببناء منزل يمكن العيش فيه في هذا المكان. و بصيغة درامية أقل، إذا ما صادفنا تراكمات من أدوات الخردة في الطريق المؤدي إلى موضع البناء (أدوات غير ضرورية كالألعاب المكسرة و النفايات المعدنية و الجرائد القديمة) يمكن أن يصبح من الصعب بمكان اختراق هذه الفوضى و إيجاد الأدوات الضرورية لبناء المنزل الذي لا يمكنه أن يبني نفسه بنفسه.  هذه العناصر المشوشة و التي من شأنها أن تعيق عملية البناء يمكن وصفها على أنها مولدات تفاعلات التداخل.


خامسا، التوفر على الأدوات الصحيحة اللازمة للبناء ليس كافيا، لأنك، باعتبارك بناء، يجب عليك التأكد على أنها يمكنها التلاءم فيما بينها بشكل مناسب. فإذا ما كنت بحاجة إلى صمولات و لوالب، أنابيب و صنابير، أسلاك كهربائية و قنواتها بشرط أن تتطابق الصمولات بشكل متناسق مع اللوالب و أن تتوافق الصنابير مع القنوات و أن تدخل الأسلاك الكهربائية بسهولة داخل القنوات و إلا فإنك لن تستطيع بناء منزل قابل يصلح للعيش. من المؤكد أن أخذ كل جزء على حدا ربما يصلح كأداة بناء فعالة لبناء منزل آخر بمواصفات مغايرة، إلا أن كل ما يهمك هنا الآن هو المنزل الذي أنت بصدد بناءه حاليا.  و لا يمكنك بناءه إلا في حالة ما إذا كانت الأجزاء متطابقة فيما بينها و متناسقة بشكل صحيح. و خلاصة الأمر، فأنت لست بحاجة فقط إلى التيقن من أن جميع الأجزاء التي تم نقلها إلى مكان البناء هي من النوع الصحيح و إنما أيضا من أنها تشترك في التوافق في الواجهة، فقط هكذا يمكنك العمل بها سويا و بشكل فعال.


 سادسا، حتى مع توفر جميع الأدوات المناسبة و في نفس مكان البناء فأنت بحاجة إلى ضمان أن هذه المعدات قد وضعت سويا و في الترتيب الصحيح. لذلك فإن بناء المسكن يتطلب البدء بوضع الأساسات أولا، و إذا ما بدأت ببناء الجدران ثم حاولت بعدها وضع الأساسات من أسفلها فإن كل مجهودك سيذهب سدا. فالأدوات المناسبة تتطلب ترتيبا صحيحا خلال عملية التجميع حتى تكتمل عملية البناء بنجاح. سابعا و أخيرا، حتى لو قمت بتجميع المعدات وفق الترتيب المناسب فالمعدات يجب أن تكون مرتبة بشكل جيد. لهذا الغرض، فأنت، باعتبارك من تم التعاقد معه على بناء المنزل، ستستعين ببنائين و بسباكين و بكهربائيين. فأنت تستعين بهؤلاء المختصين ليس فقط من أجل تجميع معدات البناء الصحيحة وفق الترتيب الصحيح و لكن أيضا من أجل وضعها بالشكل الصحيح. مثلا، فبإمكان الطوب أن تتجمع وفق الترتيب المطلوب بهدف بناء حائط. و لكن إذا ما تم وضعها اتجاه زوايا غريبة و إذا ما بني الحائط بشكل مائل فإن دفعة خفيفة ستكون كافية لانهياره و سوف لن تحصل على منزل قابل للسكن في آخر الأمر حتى و لو كان ترتيب عملية التجميع دقيق. أي بصيغة أخرى، ليس كافيا أن تتشكل المعدات وفق الترتيب الصحيح لأن بالإضافة إلى ذلك فيجب أن تكون معدة وفق الترتيب الصحيح.

حسنا، باعتبارك المكلف بعملية البناء فإنك سوف لن تجد أي مشكل في تجاوز أي من هذه التحديات، ذلك لأنك باعتبارك شخصا ذكيا فانك تنظر إلى الشيء في صورته النهائية. فأنت يمكنك النظر إلى المستقبل و توقع كيف سيكون إنتاجك النهائي. و بالتالي يمكنك التنسيق بين جميع الأشغال الضرورية لتجاوز العقبات المطروحة لأنك تمتلك رسما بيانيا للمنزل و تعلم نوعية الأدوات التي سوف تحتاج إليها لبنائه و كيف ستوزعها وفق المكان و الزمان الصحيحين. كما أنك تأخذ في الحسبان مسألة تأمين المكان من اللصوص و قطاع الطرق و مسألة التخلص من بقايا البناء و كيفية تجنب التبدير و أي شيء من شأنه أن يعيق عملية البناء.  و تعلم كيفية ضمان أن تكون معدات البناء متطابقة فيما بينها حتى يمكنك استغلالها بشكل فعال كما تعلم أيضا الترتيب الخاص بوضع المعدات خلال عملية التركيب. و حتى لو استعنت باختصاصيين فإنك تعلم كيفية ترتيب المعدات وفق التشكيل الصحيح. كل هذه التقنيات و المعارف تنبعث من الذكاء الذي تمتلكه و لذلك فأنت تستطيع بناء منزل قابل للسكن.   


إلا أن الآليات الداروينية المتمثلة في الطفرات العشوائية و الانتخاب الطبيعي لا تمتلك كل هذه المعارف و المهارات، و كل ما تعرفه هذه هو كيفية تعديل البنيات البيولوجية بشكل احتمالي حتى يتسنى لها الحفاظ على تلك التعديلات العشوائية التي بإمكانها أن تصير مفيدة في تلك اللحظة. (تقاس فائدتها حسب إمكانية البقاء على قيد الحياة و حسب إمكانية التوالد). فالآليات الداروينية هي آليات ذات استجابة فورية، ولو كانت مكان المكلف بالبناء لبدأت أولا بإقامة الجدران نظرا للفائدة التي ستجنيها بتجنب دخول الأشياء الدخيلة إلى مكان البناء. إلا أن إقامة الجدران أولا سوف تمنع وضع الأساسات بعد ذلك، و كنتيجة لذلك، فإن أي محاولة لبناء منزل قابل للسكن سوف يكون مصيرها إلى الفشل. على هذا المنوال تعمل الآليات الداروينية، و هذا هو السبب الذي يجعلها محدودة جدا بحيث أنها ترتجل في إطار التجربة و الخطأ، و بالتالي ففي أي عمل ارتجالي فهي تحتاج إلى الحفاظ على المكتسبات المفيدة أو إلى تحسينها أو إلى انتقاء مكتسبات أخرى مفيدة. و لا يمكنها القيام بتضحيات في الوقت الراهن بهدف جمع فوائد مستقبلية لا تزال بعيدة المنال.  

الآن يمكنك أن تتخيل ما الذي يمكن أن يعنيه اجتياز هذه التحديات السبعة بالنسبة للآليات الداروينية خلال تطور السوط البكتيري. فلنأخذ بكتيريا عادية لا تمتلك أي سوط و لا الجينات القادرة على إنتاج بروتينات السوط و لا أي جينات مماثلة للجينات المسؤولة عن إنتاجها. فمن المفترض أن تلك البكتيريا قد تطورت عبر مرور الوقت إلى بكتيريا ذات جينات تكميلية و التي تعتبر ضرورية كلها لإنتاج سوط وظيفي بشكل تام. هل الآليات الداروينية تعتبر كافية بحيث يتسنى لها التنسيق بين جميع الأحداث الكيميائية الحيوية الضرورية لتجاوز تلك التحديات السبعة وصولا إلى تطوير السوط البكتيري؟ الجواب بنعم على هذه المسألة يعني نسب قدرات إبداعية للآلية التطورية و هذا الأمر حتما لا يحتمل وقوعه.   

لرؤية ذلك، فلنأخذ كل تحد من التحديات السبعة و لنتفحص ما يمكن أن يطرحه كل واحد منهم بالنسبة لتطور السوط البكتيري.

 فلنبدأ بمسألة الجاهزية: هل بإمكان الآليات الداروينية تجاوز تحدي الجاهزية؟ من أجل تجاوز هذا العائق فالآليات الداروينية تحتاج لتشكيل بروتينات جديدة. (إذا ما كان السوط البكتيري قد تطور بمجمله فإنه سيكون قد تطور انطلاقا من بكتيريا لا تمتلك أي جينات مضبوطة أو مماثلة بإمكانها إنتاج البروتينات الخاصة ببنية السوط ). حسنا، فالآليات التطورية في بعض الحالات يمكنها أن تكون قادرة على تعديل بروتينات موجودة مسبقا أو تشغيلها بهدف منحها استعمالات جديدة. لكن اقتراح هذه الآلية لتفسير ظهور بروتينات جديدة فإن البراهين تتعارض مع الآليات التطورية. و كما سنرى ذلك في مقال مقبل فإن الأبحاث المتعلقة بطي البروتينات تشير إلى أن تلك الأنواع تعتبر من غير المحتمل أن تتطور عبر المسار التطوري. بالتوافق مع ذلك فإن إنتاج بروتينات جديدة، و هو الأمر الضروري في تطور السوط البكتيري، يبدو أنه غير محتمل بالنسبة للآلية الداروينية.

فلنختبر الآن مسألة التزامن: التطور الدارويني يملك الكثير من الوقت للاشتغال و لا يبدوا أنه مرهون بأي تاريخ محدد (بالرغم من أن علماء الفيزياء الفلكية يضعون تواريخ محدودة لوجود كوكب الأرض، و لتحول الشمس إلى نجم أحمر عملاق مما سيؤدي إلى توسعها و بالتالي فأي شيء سيعترض طريقها سيصير رمادا حتى لو كان كوكب الأرض نفسه (1)). قد لا يكون أمرا جوهريا بالنسبة للتطور التوفر على بروتين محدد أو بنية تشريحية، إلا إذا تم التوفر عليه بشكل مبكر بحيث أن البروتين المعني سينتهي به الأمر إلى زوال أو إلى فقدان كامل قدرته على الإندماج قبل أن يكون مستلزما من طرف النظام خلال مراحل تطوره. إلا أن علم تطور الأجنة غير متسامح لهذه الدرجة، لأنه على غرار نمو الكائن الحي من البويضة المخصبة إلى أن يكتمل نموه فهو يحتاج إلى عناصر ضرورية محددة في الأوقات الصحيحة و إلا أنه سيموت. و إذا كان التطور يمكنه أن يكون نسبيا غير مبال أمام إشكالية التزامن فإن العكس من ذلك تماما يحدث مع علم الأجنة.  

من جانب آخر، فإن مسألة التموقع  يبدو أنها تطرح صعوبات أكثر أمام الآليات الداروينية. فالمشكل هنا يكمن في أن العناصر المتعلقة بنظام معين تحتاج إلى أن تكون مجتمعة من أجل استعمالها في نظام ناشئ و جديد. هذا النظام الناشئ يبدو كأنه نظام معدل، بمعنى أن أجزاءه كانت تنتمي من قبل إلى نظم أخرى. لكن، ما هو احتمال أن تنفصل هذه العناصر عن بعضها البعض لتتموقع في موقع بناء خاص بنظام آخر جديد و أفضل من سابقه؟  إن أحسن برهان لدينا يوحي لنا بأن إعادة تموقع أجزاء كانت تنتمي من قبل لنظم مختلفة يعتبر أمرا غير محتمل و تزداد نسبة عدم احتمال وقوع مثل هذا الأمر كلما دعت الحاجة لإعادة تموقع أجزاء أخرى بشكل متزامن و في نفس المكان. و هناك سببين لذلك: أولهما، أن مكان التشكل الخاص بنظام كيميائي حيوي معين عادة ما يتجه نحو الحفاظ على تماسكه و ذلك بإضافة البروتينات الضرورية فقط لاشتغال النظام مع طرد أي بروتين عبثي يمكنه أن يعبث به. و ثانيهما، أن البروتينات لا تنفصل هكذا بكل بساطة و بشكل تعودي عن النظم التي تنتمي إليها، بل إنها تتطلب مجموعة كاملة من التغيرات الجينية كالاستنساخات الجينية و التغيرات التنظيمية و الطفرات الوقتية.

أما مشكل تفاعلات التداخل فهو يزيد من حدة التحدي الذي تطرحه المسألة السابقة أمام الآليات الداروينية. فإذا كان السوط البكتيري بالفعل نتاج لعملية التطور الدارويني فإن الأسلاف التطورية للسوط البكتيري كان عليها أن تكون حاضرة على طول تاريخه التطوري. فهذه الأسلاف كان يجب أن تكون عبارة عن نظم وظيفية، و التي خلال تطورها إلى السوط، كان عليها أن تخضع للتعديل عبر انضمام عناصر ذوات استعمالات أخرى مسبقة.  إذن فإن هذه العناصر سوف تحتاج إلى أن تتموقع في مكان تشكل السلف المشار إليه. حسنا، فكما أشرنا إلى ذلك من قبل عند حديثنا عن التحدي الذي تطرحه مسألة التموقع، فليس هناك أي سبب حتى للتفكير على أن حدوث مثل هذا الأمر قد يعتبر محتملا. إننا نتحدث عن بروتينات خارجية  تسبح حول تلك الأماكن التي لا ينتظر فيها أن يقوم بروتين داخل النظام بالانفصال و بأن تتم إعادة تدويره (عبر بروتينات تسمى ب "البروتيزومات"). لكن فلنفترض أن مكان التشكل قد صار أكثر استقبالا لبروتينات جديدة، ففي هذه الحالة، و عند استقبال عناصر يمكنها المساهمة في تطوير السوط البكتيري، فإن مكان التشكل سيرحب أيضا بالبروتينات التي من شأنها أن تعيق تطوره. من هنا نستخلص أنه عندما يكون من السهل توضيح جسامة مشكل التموقع، فإن مشكل تفاعلات التداخل يعتبر من الصعب تعريفه و العكس بالعكس.   

من ناحية أخرى فإن تطابق الواجهة يقيم تحدي آخر أمام الآليات الداروينية. فالمشكل هو كالآتي: حتى تتمكن الآليات الداروينية من تطوير نظام ما فهي بالحاجة إلى إعادة استعمال أجزاء كانت تنتمي من قبل لنظم أخرى. لكن هذا ليس كل شيء، فهي تحتاج أيضا إلى أن تتأكد من أن الأجزاء التي أعيد استعمالها قد أخذت مكانها بشكل ملائم في النظام الجديد خلال تطوره، و إلا فإن النظام سيعمل بشكل سيء و بالتالي سوف لن يحصل على أي فائدة دائمة و قابلة للانتقاء. و بعد كل شيء فإن ما ينتجه التطور ما هو سوى تجمع للعديد من العناصر فيما بينها، أي بصيغة أخرى، هو عبارة عن نظم مشكلة من عدة عناصر متلاصقة فيما بينها كانت لديها مسبقا استعمالات أخرى مختلفة. إذن، إذا كانت هذه العناصر قد تم إنتاجها وفق قواعد مشتركة يمكن أن يكون هذا سببا للتفكير على أنهم يمكنهم الاشتغال سويا و بشكل مرضي، إلا أن الانتقاء الطبيعي، باعتباره آلية إرضاء لحظية، ليست له القدرة الملازمة له حتى يعطي معايير لما ينتجه التطور. و بدون معايرة فإن كل ما ينتجه التطور يصير محدودا بشكل كبير.

فتخيل معي سيارات تم صنعها من طرف معامل مختلفة كشيفروليه إيمبالا في الولايات المتحدة و هوندا في اليابان. فحتى لو كانت السيارتين متشابهتين بشكل كبير و يمتلكان نظم ثانوية و أجزاء تؤدي وظائف مماثلة و بشكل مماثل فإن أجزاءهما سوف لن تكون متطابقة. فعلى سبيل المثال، فأنت لا يمكنك تبديل مكبس أحدهما بمكبس السيارة الأخرى و قس على ذلك كل من اللوالب و الصمولات و الممسك، إلخ.  ذلك يرجع إلى أن السيارتين قد صممتا بشكل مستقل حسب معايير و تصاميم مختلفة. ففي مصنع الشيفروليه، حيث يتم صنع نموذج إمبالا، توجد معايرة تضمن أن يكون لمختلف أجزاء إمبالا و عدة نماذج أخرى لشيفروليه واجهات متطابقة. إلا أنه سوف لن تكون هناك نفس المعايرة لمصنعين اثنين (كما هو الحال بين شيفروليه و هوندا). فعلا، فإن المعايير المشتركة و التي تمنحنا التطابق في الواجهة في النظم الوظيفية المختلفة لا تشير إلى وجود تصميم واحد فقط للنظم و إنما أيضا إلى وجود تصميم مشترك مسؤول عن المعايرة.

لكن الآليات الداروينية لا تستطيع إنتاج تصميم مشترك لأن أكبر همها يكمن في تلك البنيات التي تشكل امتيازا مباشرا بالنسبة للكائن الحي المتطور. ليس هناك ما يضمن أن تلك البنيات ستخضع لمعايير قد تسمح لها بالولوج و بأن تتفاعل بشكل فعال مع بنيات أخرى.  على سبيل المثال، فالتطوريون عادة ما يدعون أن السوط البكتيري قد تطور انطلاقا من محقنة مجهرية تسمى ب "نظام الإفراز من النمط الثالث" (و يشار إليه ب TTSS). حسب هذا النموذج، فالشعيرة البكتيرية أو أي بنية مشابهة للشعر قد أعيد استعمالها و تم ضمها إلى TTSS لكي تتحول بعدها بشكل عرضي إلى بنية تخول للسوط التنقل في وسط سائل. لكن قبل أن تثبت الشعيرة البكتيرية في TTSS فإن كلا النظامين كان يجب عليهما أن يتطورا بشكل مستقل. و بالتالي ليس هناك أي سبب للتفكير على أن هذه النظم يجب أن تعمل سويا بالإعتماد فقط على الصدفة و الحظ. و الاعتقاد بذلك يعتبر مثله مثل الاعتقاد بأن السيارات المصممة بشكل مستقل عن بعضها البعض يمكنها أن تمتلك أجزاء قابلة للتبديل فيما بينها. و يمكن اختبار نقطة الضعف هذه في نظرية التطور بشكل تجريبي: خذ أي TTSS و شعيرة بكتيرية و حدد كمية التعديلات النوعية الضرورية حتى يمكن إخراج الشعيرة البكتيرية من نظام التصدير البروتيني ل TTSS (فقط هكذا يمكن للشعيرة البكتيرية أن تمتلك واجهة صحيحة مع نظام الإفراز TTSS). و حتى اللحظة فليس هناك أي أسباب نظرية أو تجريبية للتفكير على أن الآلية الداروينية يمكنها أن تتجاوز عائق التطابق في الواجهة.

بالإضافة إلى كل هذا، فإن الآليات الداروينية بحاجة أيضا إلى توضيح مشكل الترتيب في عملية التجميع. فالآالية الداروينية تعمل عن طريق التكبير و التعديل: تضيف أجزاء جديدة لنظم مشتغلة كما تعمل على تعديل أجزاء متواجدة فيها. و بهذا الشكل تتشكل نظم جديدة مع وظائف جديدة و كاملة. حسنا، تخيل معي ماذا سوف يحدث عندما تضاف أجزاء جديدة لنظام قيد الاشتغال، في هذه الحالة فإن النظام الأولي سيتحول إلى نظام ثانوي للنظام الكبير الذي تم تشكيله.بالإضافة إلى أن الترتيب في عملية التجميع للنظام الثانوي سيكون، على الأقل في البداية (قبل التعديلات المتعاقبة)، مثله مثل عندما كان النظام الثانوي لوحده. و بشكل عام، فقط لأن أجزاء النظام الثانوي يمكنها أن تتموضع سويا وفق ترتيب معين فذلك لا يعني أن تلك الأجزاء بإمكانها أن تتركب في نفس الترتيب ساعة انضمامها إلى النظام الكبير. بالفعل، ففي تطور أي نظام كالسوط البكتيري يمكننا أن ننتظر حدوث تغيرات جوهرية خلال عملية تجميع مختلف أجزائه (بالضبط هذه هي الحالة المتعلقة بنموذج تطور السوط البكتيري انطلاقا من TTSS). إذن، كيف عرف الترتيب في عملية التجميع حدوث التغيرات الصحيحة؟ بالنسبة للعديد من النظم البيولوجية فإن الترتيب في عملية التجميع هو جد محكم و لا يسمح بحدوث تغيرات جوهرية. و بالتالي فإن وزن هذا البرهان يفرض على التطوريين إظهار أن أي نظام في مرحلة تطوره فإن الآليات الداروينية لا تعمل فقط على ترتيب مسألة ظهور الأجزاء الصحيحة و إنما أيضا على ترتيب تجمعها وفق الترتيب الصحيح. فالتطوريون لم يظهروا أي شيء من هذا القبيل.  

و في الأخير، لدينا العقبة المتعلقة بمسألة الإعداد: في تصميم و بناء المنتجات البشرية تعتبر مسألة الإعداد من أهم التحديات الصعبة التي يجب تجاوزها. و من جانب آخر، ففي تطور النظم الكيميائية الحيوية المعقدة بشكل لا يقبل الاختزال كالسوط البكتيري، يعتبر هذا التحدي من أسهل التحديات التي يمكن تجاوزها. و هنا سنذكر لماذا: خلال عملية تجميع السوط و النظم المشابهة له فالأجزاء الكيميائية الحيوية لا تتجمع مصادفة، بل تجمع نفسها بنفسها وفق الإعداد الصحيح عندما تسمح الإصطدامات المحتملة بتفاعلات معينة و تعاونية و إلكتروستاتية محلية و التي تقوم بتجميع السوط ضربة واحدة. و بالتالي، عندما يتم توضيح مسألة التطابق في الواجهة و الترتيب في عملية التجميع للسوط البكتيري يجب المرور بعدها لتوضيح مشكلة الإعداد. و لدينا هنا مبدأ عاما، بالنسبة لتلك البنيات التي تجمع نفسها بنفسها كالنظم البيولوجية، فالإعداد يعتبر منتجا ثانويا لبنيات أخرى إجبارية (كالتطابق في الواجهة و الترتيب في عملية التجميع). إلا أن ذلك لا يعني أن إعداد تلك النظم قد يأتي بشكل مجاني، و إنما نفهم أن تكلفة إعداده تتداخل ضمنيا مع تكلفات أخرى.

تمت الترجمة من:

Dembski, W.; Wells J. (2008) the Design of Life: Discovering Signs of Intelligence in Biological Systems, The Foundation for Thought and Ethics, Dallas, p. 183-189.

التعريف بالكاتبين:

ويليام دومبسكي (William Dembeski) حاصل على شهادة الدكتوراه في الفلسفة في جامعة إيليون في شيكاغو و على شهادة الدكتوراه في الرياضيات بجامعة شيكاغو. يعتبر واحدا من أهم منظري التصميم الذكي و له عدة مؤلفات في هذا المجال. هو صاحب أول كتاب للتصميم الذكي تم نشره من طرف دار نشر جامعية معترف بها:

 The Design Inference: Elimitating Chance Through Small Probabilities. (Cambridge University Press.1998)

جوناثان ويلز (Jonathan Wells): حاصل على الدكتوراه في البيولوجية الخلوية و الجزيئية من جامعة كاليفورنيا في بيركلاي. حاليا هو واحد من الباحثين الأساسيين في معهد ديسكافري.

المراجع:

1- Humbert P. Yockey, Information Theory and Molecular Biology (Cambridge: Cambridge University Press, 1992), 220-221.

السبت، 6 سبتمبر، 2014

تناغم(ظبط) الشفرة الجينة الدقيق.


تناغم(ظبط) الشفرة الجينة الدقيق.....

ribosomal frameshift signal.jpg

يعتبر  Francis Crick الشفرة الجينية الموجودة في الطبيعة "حادثة ثابتة". ومع ذلك يوميا تظهر لنا الأدلة التي تشير إلى التناغم الدقيق-المترافق بمميزات توكد لنا ندرة هذه الشيفرة. وعليه أفلا يجب علينا تشريع اعتبار التصميم الذكي بأنه الشرح الأفضل لكيفية ظهور هذه الشفرة إلى الوجود؟


نعرف جميعنا الشفرة الجينية التي يتم ترجمتها من قبل الرنا المرسال المنتسخ إلى ثمالات أحماض أمينية تشكل لنا البروتينات.


تسمى ثلاثيات النكليوتيدات بالكودون—وهي تعمل "كالكلمات في المستوى الجزيئية"، كل منها يحدد حمض أميني معين أو يشكل موقع توقف لقوالب بدء القراءة ORFs. تسمى معقدات الريبوزومات والرنا الناقل للميتيونين ( بالرنا الناقل المحمل بالميتيونين. والذي يرتبط بالقرب من النهاية 5' لجزيئة الرنا المرسال عند كودون البدء AUG ( الذي يحدد الحمض الأمينين الميتيونين) ويبدأ بترجمة تسلسله الريبونيكليوتيدي إلى الأحماض الأمينية المحددة الضرورية لتشكيل البروتين الوظيفي. سيرتبط كل حمض أميني بالنهاية الكربوكسيلية بالطرف 3' من نوع الرنا الناقل الخاص به بواسطة أنزيم يعرف بمركبة الرنا الناقل أمينو أسيل amino-acyl tRNA synthetase..


يوجد موقعان على الريبوزوم خاصين بجزيئات الرنا الناقلة النشطة: الموقع البيبتيدي والموقع الأمينو أسيلي ( الموقع P ، والموقع  A على الترتيب). يدخل كودون البدء " الحامل للميتيونين " إلى الموقع P. يقترن الكودون المقابل الموجود على الرنا الناقل 3' UAC 5' بالكودون المكمل له على الرنا المرسال 5' AUG 3'. ومن ثم يدخل الرنا الناقل الثاني إلى الموقع A. يقوم جزء أنزيمي من الريبوزوم يدعى ناقلة البيبتيديل بإنشاء رابطة بيبتيدية بربط الحمضين الامينيين. وعند تشكيل الرابطة البيبتيدية، تنفصل الرابطة الامينو أسيلية التي تربط الحمض الأميني بالرنا الناقل الخاص به، ومن ثم يصبح الرنا الناقل قادر على مغادرة الموقع P . يتلو هذا الأمر إزفاء " إعادة تموضع" ريبوزومية لوضع كودون جديد في الموقع A الفارغ وليتحرك الرنا الناقل الثاني—الذي يرتبط الآن بثنائي بيبتيد—من الموقع A إلى الموقعP. وهكذا تتكرر الدورة حتى نصل إلى كودون التوقف الذي يمنع أي إطالة تالية للسلسلة. لكي تشاهد تلك العملية وضعنا لك رابط الفليم التالي:(1)



إن العدد الكلي لاحتمالات ترتيب ثلاثيات النكليوتيدات في الرنا تصل إلى 64 كودون. 61 منها يرمز للحموض الأمينية والثلاثة المتبقية تعمل ككودونات أو روامز توقف وهي UAG, UAA و  UG، والتي توقف عملية تركيب البروتين. ولأن هناك 21 حمض أميني في الجسم فهذا يعني أن بعض الكودونات زائدة عن الحاجة. وهذا يعني أن العديد من الكودونات يمكنها أن ترمز لذات الحمض الأميني. إن قمت برسم السبل الخلوية والآليات التي وضعت خرائط توزع احتمالات 64 إلى 20 وفق المنطق الجزيئي لصعقت من الدهشة. وهو الكفيل بإثارة حماس أي مهندس لهذا الأمر. ولكن أمارات التصميم تمتد إلى ماوراء الإبداع الهندسي المذهل لجهاز الترجمة الخلوي. في هذا المقال، سنستعرض العديد من مستويات الإبداع في التصميم المقدمة عبر هذا العمل التكنولوجي النانوي البديع.


كيف للشيفرة الجينية أن تكون بهذا التناغم (الظبط) الدقيق؟؟


كما ذكرنا من قبل، فإن الشفرة الجينية ذات ترميز متراكب. وهذا يعني أن العديد من الكودنات سترمز لذات الحمض الأميني. إن هذه التراكبية تحصل بشكل أساسي بسبب التباينات في الموقع الثالث، والذي يعرف بواسطة النكليوتيد في النهاية 5' على الكودون المقابل (والذي يدعى موضع ووبل wobble). تقول فرضية ووبل بأن النكليوتيدات التي تظهر في هذا الموقع يمكن أن تقوم بتفاعلات غير ممكنة في المواقع الأخرى (بالرغم من أنها تبقي على بعض التفاعلات غير مسموح بها).


ولكن هذا الترتيب بعيد كل البعد عن الاعتباطية و العشوائيه. بالتأكيد، لأن الشيفرة الوراثية الموجودة في الطبيعة مضبوطة بشكل مذهل لكي تحمي الخلية من التأثيرات الضارة لبعض المواد المطفرة. بشكل يسلب الألباب يظهر ترتيب النظام لتلك الكودونات المختلفة في أساس واحد فقط من خلال ترميز ذات الحمض الأميني أو بإعطاء حمض أميني من ذات المجموعة التي ينتمي لها والتي ترتبط مع بعضها بذات الصفات الكيميائية. بكلمة أخرى، إن بينة الشيفرة الجينية معدة بحيث تميع وتخفف تأثير الأخطاء التي يمكن أن تحصل خلال عملية الترجمة (والتي يمكن أن تحصل عندما يتم ترجمة الكودون من قبل الكودون المقابل يجانب الصواب قليلا).


على سبيل المثال، يتم تحديد الحمض الاميني الللوسين بواسطة 6 كودنات. أحدها هو CUU. اذا ما استبدلت طفرة في الموقع 3' الأساس U بالأساس C أو A أو G فإن ناتج التبديل هو كودونات ترمز للوسين أيضا: CUC, CUA  وCUG على الترتيب. في المقابل إذا ما استبدل الأساس C في الطرف 5' بالأساس U فعندئذ يصبح الكودون UUU. وهو محدد للحمض الأميني الفينيل ألانين، حمض أميني ذو خواص مشابهة لخواص اللوسين الفيزيائية والكيميائية. إن الحقيقة التي تحتاج الشرح هنا كيف تعينت ترتيبات الكودونات بطريقة تخفض من تخرب ORF. بالإضافة إلى ذلك، فإن معظم الكودونات تحدد حموض أمينية تمتلك سلاسل جانبية بسيطة. مما يقلل من النزوع إلى الطفرات المنتجة لكودونات مشفرة لتسلسلات حموض امينية متفرقة كيميائيا. أثبت Freeland
(2)
و زملاؤه أن الشيفرة الجينية على أعلى درجات الكفاءة—وبالفعل " فهي أفضل الكودونات الممكنة"—وتعتمد على متثابتين اثنين
: الأول، الارجحية النسبية لحصول الانتقالية و تغير الموقع بين الأسس (تَبْدال:تبادل بين البورين والبريميدين في الدنا) و الثاني هو تأثير الطفرة النسبي.


مشكلة رفض الفاشل:


تم نشر ورقة (3)  بحثية أخرى من قبل Lim  و Curran في عام 2001، تنمذج النوعية المكونة لمزدوجة الكودون والكودون المقابل خلال عملية الترجمة. وفقا لنموذجيهما، لكي يتم رفض المزدوجة الخاطئة من قبل الريبوزوم، فمن الضروري له أن يملك على الأقل رابطة هيدروجينية غير معوضة: وهو معيار يظهر العديد من المشاكل عندما تملك المزدوجة زوجا من البيرميدينات ( أي U أو C) في الموضع الكودوني الثالث أي في موضع ووبل. إن الجزيئات البيرميدينية أصغر نوعا ما من البورينية (G  و A)  ، يمكن لموضع ووبل أن يسمح بأخطاء تطابق معينة في الموضع الثاني فنتج أزوجا من غير أزواج Watson-Crick تعمل على معاوضة الروابط الهيدروجينية المفقودة. وهذا ما ينتج خطأ في الترجمة بسبب عدم رفض خطأ التطابق في الموضع الثاني بشكل جيد.


يمكن لهذه المعضلة أن تزال بواسطة منع بيرميدينات الكودون المقابل في موضع ووبل من تشكيل زوج بيرميديني. ومثل هكذا تعديل يستلزم أن يكون الكودون المقابل المفرد والذي كان قادرا على التعرف على أربع كودونات لا يتعرف الآن إلا على اثنين فقط. ولذا سنحتاج لرنا ناقل واحد لأجل البيرميدينات موضع ووبل ولرنا ناقل أخر للبورينات في موضع ووبل. وهذا ما يشرح لماذا هناك 32 كودون( تلك التي تنته بالأساس A  و G) في الشيفرات الوراثية النموذجية ضمن  "عائلة الصناديق"، و32 أخرى ( تلك التي تنته بالC و U ) ضمن " الصناديق المنقسمة". بالتأكيد، إن انتقاء صناديق الكودونات التي تكون منقسمة أمر محدد من قبل ذات الكيمياء الفراغية التي تكون السبب وراء تحديد أي من أخطاء التطابق في الموضع الثاني معرض لمشكلة رفض الفاشل. لا يمكن للتناسق المشاهد في هذا الموضوع ان يكون اعتباطيا أبدا.


إشارات التوقف المشفرة.


مظهر آخر من مظاهر الروعة في الشيفرة الجينية هو تراكب تسلسلات التوقف مع تلك الكودونات المحددة لأكثر الحموض الامينية وفرة. ذلك يعني أن الشيفرة الجينية ماهي إلا إعداد لتثبيط تأثير طَفْرَةُ انْزِياحِ الإِطار. تحصل طَفْرَةُ انْزِياحِ الإِطار كنتيجة لإدخال أو حذف " إدذف" لعدد من النكليوتيدات بشكل لا يقبل القسمة على ثلاثة. مثل هكذا حدث يسبب انزياح في إطار القراءة، مما يسبب انتاج وتراكم بروتينات ذات انطواء خاطئ. كلما حصل هذا "الأدذف" بشكل مبكر، كلما كان التبدل أكبر والتغير في تسلسل الحموض الأمينية أكبر.


يمكن أن نفكر بأن الشيفرة الجينية تتألف على مجموعات من أربعة كودونات حيث تكون المواضع الأولى ذاتها في جميع الرباعيات (بينما يمكن شغل الموقع الثالث بأي أساس). عندما ترمز الكودونات لنفس الحمض الاميني، يشار إليها بعبارة " عائلة الكودون". تتألف نصف الشيفرة الجينية من هكذا عوائل من الكودونات. في العائلات الكودونية المرمز لها ب AAN وAGN (والتي تنقسم لثلاثيات من Asn/Lys و Ser/Arg على الترتيب)، تتداخل الثلاثيات مع كودونات التوقف UAA و UAG التي تنه عملية الترجمة. إشارات التوقف هذه تساعد في منع تراكم البروتينات ذات الانطواء الخاطئ. كما يشرح Bollenbach وزملاؤه (4)


" يمكن لكودونات التوقف أن تتخفى ضمن تسلسل ما بسهولة. على سبيل المثال، كودون التوقف UGA على بعد انزياح أطاري واحد فقط عن NNU|GAN ، تشفر الكودونات GAN ال Aspو Glu، والتي تكون شائعة جدا في التسلسلات البروتينية. بشكل مشابه يمكن ل UAA و UAG أن يحصل لها انزياح في الإطار لكي تعطي NNU|AAN و NNU|AGN ( ترمز كودونات AAN لل Asn أو ال Lys كما أن الAGN يعطي ال Ser أو (Arg. تعد الاحماض الأمينية Glu, Lys, Asp, Ser,  و  Arg من الحموض الأمينية الشائعة الترميز نسبيا في الحينوم، ولذا فإن احتمال ظهور كودون توقف بسبب خطأ في قراءة الكودون احتمال عال جدا. إن حقيقة أن كودون التوقف يمكن أن "يتختف" بهذه الطريقة مستخدما طَفْرَةُ انْزِياحِ الإِطار يعني أنه يمكن لتسلسل واحد فقط والذي صدف أنه احتوى على كودون التوقف (وهي معضلة في طريقها للظهور حالا أو لاحقا) يمكن أن يشفر ضمن التسلسل البروتيني باستخدام واحدة أو اثنتين من إطارات القراءة والتي يقوم كودون التوقف فيها بالترميز لأحد الحموض الأمينية الشائعة المستخدمة".


بشكل جدير بالانتباه نلاحظ أن نظام التخطيط 64إلى 20 معد وفق ترتيب يقلل فيه من عدد الاحماض الامينية التي تتم ترجمتها من الصور الأصل ذات الأطر المنزاحة وذلك حتى قبل ظهور أحد كودونات التوقف. يمكن للكودونات ذات التكرار العالي ( مثل تلك التي ترمز للأسبارتات أو الغلوتاميك أسيد) أن تكون كودونات توقف في ضوء حصول انزياح الأطر. ولذا، فإن الترجمة في الشيفرة الجينية التقليدية ذات خطأ الانزياح الأطري يوقف بسرعة أكبر من المعدل الوسطي ب 99.3% من الكودنات البديلة وفقا ل( Itzkovitz and Alon, 2007).  (5)


كما قال Itzkovitz  و  Alon بالارتباط مع مقدرة الشيفرة الجينية الشاملة " إن السماح بالتسلسل الاعتباطي للنكليوتيدات ضمن التسلسلات المشفرة أفضل بكثير من أكثرية الشيفرات الجينية الأخرى الممكنة ". حيث يقولان 


"لقد وجدنا أن الشيفرة الجينية الموحدة يمكنها أن تسمح بالتسلسل الاعتباطي للنكليوتيدات ضمن المناطق المشفرة أفضل بكثير من الأغلبية الساحقة من باقي الشيفرات الجينية الممكنة. كما وجدنا أيضا إن القدرة على دعم الشيفرات المتناظرة مرتبط بشدة بخاصية إضافية – تقليل تأثيرات أخطاء ترجمة الانزياحات الأطرية".


 ولذا فإن الشيفرة الجينية على درجة عالية جدة من الكفاءة في تشفير معلومات إضافية تتجاوز تسلسلات الحموض الأمينية المشفرة في التسلسلات المشفرة للبروتينات. تتضمن الأمثلة على ذلك إشارات تضفير الرنا والمعلومات حول المكان الذي على النيلكوزومات ( الجسيمات النووية) أن تتوضع فيه على الدنا، بالإضافة إلى التسلسلات الخاصة بالبنية الثانوية للرنا.


أبجدية الطبيعة ليست بعشوائية:


قام كل من Philip  و    Freeland (6) بأخذ هذه الفكرة الأساسية إلى مستوى أكثر عمقا أيضا، مقترحين أن مجموعة ال20 حمض أميني المستخدمة في الطبيعة في الواقع ليست عشوائيا أبدا. فقد قارن المؤلفان تغطية الحموض الأمينية الأساسية "الأبجدية الأساسية" من حيث " الحجم، الشحنة، الكره للماء، بقيم مكافئة محسوبة بالنسبة لعينة مكونة من مليون مجموعة بديلة (كل مجموعة مقارنة أخرى مكونة من 20 فرد) مسحوبة بشكل عشوائي من مجمع يحوي 50 مرشح ما قبل حيوي معقول". ومن ثم صرح المؤلفان بأن


"الأبجدية الأساسية تبدي تغطية أقوي من غيرها (أي المجال الأوسع، والعدالة التوزيعية الأكبر) من أي مجموعة عشوائية أخرى وذلك لكل من الشحنة والحجم والكره للماء، وبالنسبة لجميع التوليفات. بكلمات أخرى، ضمن حدود افتراضاتنا، فإن المجموعة الكاملة من 20 حمض المرمزة جينيا تطابق معايارنا التلاؤمي المفترض المرتبط بأي شيء يمكن للصدفة أن تكون قد ركبه مما كان متاحا ما قبل الحياة".


 ولذا فإن المؤلفان يستبعدان بسرعة فرضية الصدفة على أنها خيار غير قابل للتطبيق. إن مدلولية هذا يمتد إلى ماوراء ذلك أيضا، فالباحثان تتبعا أثر 8 حموض أمينية ما قبل حيوية محتملة الوجود والتي تتواجد بين ال 20حمض أميني المتواجدة اليوم في بروتيناتنا البيولوجية. فقاموا بمقارنة خصائص تلك الحموض الأمينية بمجموعات أخرى بديلة مكونة من 8  أيضا سحبت بشكل عشوائي، مثبتين وبشكل أساسي —مرة أخرى—الطبيعة غير العشوائية في استخدام تلك الاحماض.


 


انعدام مقدرة الشيفرة الجينية التطورية.


تحدث التغيرات في مهام الكودون آثار مدمرة للخلية لأن هكذا طفرة ستقود في النهاية إلى تغيرات في تسلسل الحموض الأمينية في كل بروتين سينتج من قبل الخلية. وهذا يعني أن أحدما لا يمكنه امتلاك شيفرة جينة متطورة بشكل ملحوظ. بالرغم من -- أننا قد نسلم-- أن هناك واحد أو اثنين من التباينات في الشفيرة الجينية النموذجية. حاول البعض أن يجادل حول هذه النقطة من خلال طرح أن الكودونات الأقل استخداما يمكن أن يعاد تصميمها إلى حموض أمينية مختلفة ولكن قريبة، مما يسمح للشيفرة الجينية أن بالتحسن. على أية حال هناك صعوبات واضحة تواجه هذا الطرح. أحدها، يبدو أنه من غير المحتمل أن هناك قوة لاستبدال بعض الحموض الأمينية المستخدمة الأقل أهمية بالحموض الأمينية القريبة منها والتي يمكن لأحدها أن يصل إلى مستوى التحسين الذي نجده في الشيفرة التقليدية. 


وفوق ذلك سيطرح السؤال التالي بشكل تلقائي بالنسبة لما ستبديه الحموض الأمينية الجديدة من منفعة انتقائية. بالطبع لن يكون لها أي فائدة حتى تتجسد في البروتين. ولكن ذلك لن يحصل حتى تتجسد في الشيفرة الجينية. ولذا يجب أن تركب من قبل الأنزيمات التي تفتقدها. ودعنا لا ننس ضرورة تخصيص جزيئات رنا خاص بها والأنزيمات المحفزة التي سنحتاجها لكي نضمنها ضمن الشيفرة.


هناك صعوبة أخرى مرتبطة بالتفسير التطوري النموذجي وهو أن حوضا من الحموض الأمينية الحيوية أقل بشكل أساسي من 20 حمض عرضة لأن يخفض التباينات البروتينية المصنعة من قبل الريبوزومات بشكل أساسي. ومن غير المحتمل أن يمحص الانتقاء ماقبل الحيوي من العدد التبيايني لهذه الصفة للحموض الأمينية بشكل أمثل قبل نشوء أصل الحياة ذاتية التضاعف ( من عدة جوانب تعتبر عبارة " الانتقاء ماقبل الحيوي" متناقضة، خاطئة التركيب.-كقولك إن الظلام منير-"المترجم").


كما أن هناك معضلة أخرى والتي تتعلق بالتباس تخطيط الكودون. إذا ما قلنا أن 80% من الحالات يكون الكودون نوعيا لحمض أميني واحد و20% من المرات نوعي لحمض آخر، فإن الالتباس في التخطيط سيقود إلى فوضى خلوية.


من خلال مراجعة مستطردة لمحاولات مختلفة في شرح تطور الشيفرة، أحيل القارئ إلى تلك الورقة المنشورة من قبل Eugene Koonin و Artem Novozhilov في 2009.
(7)  لقد ختما مراجعتهما الناقدة من خلال القول التالي


"وفق لرأينا الشخصي، بغض النظر عن توسعه، وفي العديد من الحالات، فإن المحاولات المبذولة لنمذجة عملية تحسين الشيفرة، بالرغم من التنظير الحذق على امتداد خطوط نظرية التطور، والتجارب المهمة، فلم نحصل إلا على القليل من التقدم في سبيل الدفاع عن هذه النظرية".


 في تقرير تال،


"تلخيصا لمستوى التطور في دراسة تطور الشيفرة، لا يمكننا الهروب من الشكوك المعتبرة المحيطة. يبدو أن السؤالين المحوريين هنا هما " لماذا الشيفرة الجينية الموجودة اليوم هي كما هي عليه، وكيف أصبحت كذلك؟" والذين سؤلا منذ أكثر من 50 عاما خلت، في مطلع بزوغ البيولوجيا الجزيئية، والذين قد يستمران حتى 50 عام تالية. إن الخلاصة التي وصلنا لها هي أننا لا يمكننا التفكير في معضلة أكثر محورية من تلك المعضلة في كل أرجاء البيولوجيا".


 وبالرغم من ذلك، حتى وإن ضمنا المقدمة المنطقية التي يمكن من خلالها التعديل على الشيفرة الجينية عبر الزمن، فلا يزال علينا تحديد ما إذا كانت بيدنا مصادر ذات مصدوقية احتمالية كافية لتبرئتها من الطعون الضاربة بمبدأ الصدفة والحتمية. في ضوء أعداد الشيفرات المتصاعدة التي تحتاج للاعتيان والتقييم، يبدو أن السيناريوات التطورية غير محتملة الحدوث.


 


قم بالحساب الرياضي.


جادل عالم الفيزياء الحيوية وواضع نظريات المعلومات  (8)
Hubert Yockey
بأن عدد الشيفرات الجينية المحتملة الوجود من الرتبة
1.40 x 10^70.
قبل 
هيوبرت بالرقم المتحفظ عليه بشدة 6.3 x 10^15 ثانية كوقت مطروح لتطور الشيفرة الجينية. لاحظ أن هذا يفترض ان الشيفرة الجينية لديها من الوقت لتتطور منذ بدء الانفجار الكبير. ولذا كم شيفرة يمكن أن تتطور خلال الثانية الواحدة عليها أن تتطور كي نصادف الشيفرة الكونية الجينية الموجودة في الطبيعة؟ تخبرنا الرياضيات بأن هناك 10^55 شيفرة في الثانية.


فكر في ذلك. حتى وإن وافقنا على هكذا تقدير مناف للعقل – بالسماح بكل الوقت منذ بدء الانفجار الكبير-- سيطلب من الانتقاء الطبيعي أن يطور 10^55 شيفرة جينية في الثانية وذلك لكي تحصل على فرصة معقولة يصادف أنها الشيفرة الجينية المثالية في الطبيعة. تتعاظم تلك العقبة المخادعة عندما يأخذ امرؤ ما تخمينات أكثر معقولية. فسطح الأرض أصبح قابل للحياة منذ حوالي 3.85 مليار سنة خلت، مع وجود علامات على ظهور الحياة منذ 3.8 مليار سنة خلت. هناك تقديرات أكثر واقعية للأزمنة الممكنة والتي تجعل من المعضلة أكثر تثبيطا للهمة. للمزيد من هذا النقاش ، راجع كتاب تصميم الخلية للكيميائي الحيوي Fazale Rana's .(9)


 


الكودونات المتراكبة والانزياح الأطري الريبوزومي:


من خصائص التصميم الأخرى  الملحوظة في الشيفرة الجينية هو قدرتها على أن تكون ذات أطر قراءة متراكبة بحيث يمكن لبروتينين أو أكثر من أن ينتجا من ذات النسخة. تسمى هذه الظاهرة "بالانزياح الأطري الريبوزومي"وهي شائعة الوجود لدى الفيروسات من ضمنها فيروس الشعير الأصفر القزم، وفيروس البطاطا اللاف للأوراق وفيروس القردة الرجعي-1.


يحفز الانزياح الأطري الريبوزومي بواسطة بينة العقدة الكاذبة (الموضحة في الشكل) وبمواقع محددة على الرنا المرسال، والمعروفة بالتسلسلات الزلقة والتي تحتوي عادة بشكل طبيعي على العديد من ثمالات الأدنين . وعندما يحصل هذا، ينزاح الريبوزم إلى الخلف أساس واحدا ومن ثم تتابع قراءة نص الرنا المرسال وفق إطار مختلف. مما يسمح بإنتاج بروتينين مختلفين من ذات النص.


كما ذكرنا، فإن هذا الانزياح الأطري الريبوزومي شائع بشكل أساسي عند الفيروسات، حيث يكون الجينوم صغيرا بسبب الجحم الصغير لغلاف الفيروس.


أصبح من المعلوم اليوم أن الانزياح الأطري الريبوزومي يحدث في جميع مكونات الحياة الأساسية الثلاث. احد الأمثلة في حقيقيات النوى تقدمه لنا خميرة البيرة Saccromyces cerevisia,، والتي تنتج وفق هذه العملية كلا من البروتينين Est3p و Abb140p. (10)


 


الخلاصة:


في ضوء هذه الحقائق المذكورة آنفا، أصبح من الواضح أن الجينوم ثنائي الاتجاه، متعدد الأوجه وذو صفحات بينية في كل زاوية منه.

لا تزال الآليات العشوائية المعتمدة على الصدفة والحتمية تبدي قصورا في تفسير هذه الأعاجيب الهندسية. فهكذا توازن متقن ومتثابتات ذات تناغم دقيق مرتبط بشكل روتيني بهذه الكيانات المفيدة ذات الهدف. إن هذه العوامل وبشكل فريد تمتلك البصيرة و القدرة على الاستبصار، وبالتالي تمتلك القدرة على توضيح وتحقيق نقاط الهدف النهائية المعقدة. إذا ما ربطت هذه الخصائص بشكل تقليدي بأسباب ذكية -- ذكية فحسب-- ، في كل مكان من مجالات

خبرات البشر – ألن يكون من العدل القول بأن هذا النظام أيضا قد وجد تبعا لرغبة وهدف كيان واع؟؟؟....


references

(1)

Protein Synthesis, Translation

https://www.youtube.com/watch?v=D5vH4Q_tAkY

(2)

Early Fixation of an Optimal Genetic Code

mbe.oxfordjournals.org/content/17/4/511.full

(3)

Analysis of codon:anticodon interactions within the ribosome provides new insights into codon reading and the genetic code structure

http://www.ncbi.nlm.nih.gov/pmc/articles/PMC1370147/pdf/11453067.pdf

(4)

Evolution and multilevel optimization of the genetic code


 http://genome.cshlp.org/content/17/4/401.full.pdf

(5)

  The genetic code is nearly optimal for allowing additional information within protein-coding sequences.

http://www.ncbi.nlm.nih.gov/pubmed/17293451

(6)

 
Did evolution select a nonrandom "alphabet" of amino acids
 http://www.ncbi.nlm.nih.gov/pubmed/21434765

(7)

 Origin and evolution of the genetic code: the universal enigma.
http://www.ncbi.nlm.nih.gov/pubmed/19117371

(8)

Information-Theory-Molecular-Biology
http://www.amazon.com/Information-Theory-Molecular-Biology-Hubert/dp/0521350050

(9)

The Cell's Design.
http://www.amazon.com/The-Cells-Design-Chemistry-Creators/dp/0801068274

(10)

Programmed Ribosomal Frameshifting

Goes beyond Viruses

http://www.unav.es/adi/UserFiles/File/80979607/2006%20Nov%20Dimman%20Programmed%20Ribosomal%20Frameshifting%20Goes%20beyond%20Viruses.pdf

ترجمة مؤمن الحسن 

المصدر الاصلي