الأربعاء، 2 ديسمبر، 2015

هل حقا تسقط الحتمية في عالم الكوانتم ؟

بسم الله والحمد لله وبعد ...
ظلت الفيزياء الكلاسيكية = فيزياء نيوتن هي العلم الذي به نستطيع تفسير الكثير من الظواهر الطبيعية ، والتنبؤ الدقيق بالكثير من الأحداث الكونية ، حتى ظن بعض العلماء أنهم وصلوا لكل شيء يتعلق بالفيزياء ولا يوجد جديد لاكتشافه 1 ، رغم وجود بعض المشاكل التي استعصت على الفيزياء الكلاسيكية كإشعاع الجسم الأسود مثلا وظاهرة التأثير الكهروضوئي و غيرهما ، والتي كانت سببا رئيسيا في اندلاع ثورة علمية جديدة ة في بداية القرن العشرين ، وظهور فرع جديد من الفيزياء ، وإن شئت قل فيزياء جديدة = فيزياء الكوانتم ، وذلك لحل مجموعة من المشاكل التي واجهت الفيزياء الكلاسيكية ، وقد أيدت التجارب فيزياء الكوانتم في تفسيراتها وقوانينها الجديدة .. فقد عملت فيزياء الكوانتم على وصف سلوك الجسيمات الذرية ، الأمر الذي جعلها تبدو غريبة ومختلفة في قوانينها ، مما جعل كثير من العلماء يرفضونها وكان أبرز هؤلاء آينشتان الذي وصفها بالسحر الأسود ، رغم أنه كان أحد أعمدة هذه الثورة في البداية ، بل إنه أخذ جائزة نوبل في أحد الأشياء الرئيسية التي قامت عليها فيزياء الكوانتم وهو اكتشافه قانون التأثير الكهروضوئي2 .. ! كل ذلك أمر طبيعي لأن سلوك الجسيمات لابد وأن يختلف عن سلوك العالم العيني أو الماكروسكوبي .. لكن الأمر الذي يهمنا في هذا الموضوع هو التفسيرات التي لحقت بتلك القوانين ، وبسلوك الجسيمات وحركتها .. فلقد اختلف العلماء في تفسير حركة الجسيمات وسلوكها ، حيث قام كل عالم أو فريق من العلماء بتفسير الأمر حسب ما يراه هو أو حسب ما يتبين له أنه صحيح ، وهذا أيضا شيء طبيعي ، لكن الأمر الذي ليس بطبيعي هو (1- أن يدّعي أحدهم أن تفسيره هو الأكمل و الأفضل .. 2- أو أن يتبنى أناس تفسير بعينه ويقوموا بإنزاله إنزال القانون ) ولم يقم دليل علمي تجربيب أو رصدي واحد يؤيد أيا منهم .. !
وبهذا ظهر لدينا أربع تفسيرات لهذه الاحتمالية في عالم الكوانتم وليس هناك دليل علمي تجريبي أو رصدي يقول بصحة أحدها لكن هناك نسب وترجيحات وهذه التفسيرات هي :
1- تفسير نيلز بور وفيرنر هيزنبج = تفسير كوبنهاكن: ويعتبر أن عملية القياس هي التعبير الأدق عن الحقيقة ، حيث يأخذ الالكترون جميع الاحتمالات لكن في حالة الرصد يبقى على حالة واحدة فقط منها وعندها تنهار الدالة الموجية ... فوجود الاشياء مرتبط بملاحظتنا له 3.... وهو التفسير الأكثر شهرة نظرا لتدعيمه بالتجربة = قطة شرودنجر ( وهي ليست تجربة حقيقية بل ذهنية تخيلية ) .. واعترض آينشتاين على هذا التفسير ورفضه قولا واحدا مشيرا أن " الله لا يلعب النرد " وقام بوضع تفسير آخر يوضح عن وجهة نظره وهو :
2- تفسير آينشتاين ـ بورن : يعتبر الكوانتم ذي طبيعة إحصائية وأنه لا ينطبق إلا على شبكة من الجسيمات وليس الجسيم المفرد ، وأينشتاين يعتقد أن العالم محكوماً بقوانين صارمة حتمية لا يمكن خرقها أبداً 4....
3- تفسير بوم David Bohm : و يقول بوجود متغيرات خفية تتحكم في بنية العالم ليظهر أمامنا بصفته الإحتمالية على حين أنه في حقيقته حتمي 5 ...

4- تفسير إفريت Hugh Everett : ومعروف تفسيره المبني على القول بأننا لا نعيش في كون واحد ولكن اكوان متعددة وفي كل من هذه الاكوان المتعددة توجد قيم مختلفة للأشياء، بالتالي فإن الاحتمالية الكوانتية هي نتيجة طبيعية للتقلب الحادث بين هذه الاكوان 6... ظل هذا التفسير فترة كبيرة متروك ولم يُلتفت له إلا في الآونة الأخيرة نظرا لتصاعد التصميم الذكي أو الضبط الدقيق للكون ... 

تركيزنا سيكون على 1 و 3 لأنهما هما الأشهر والأكثر قبولا وتأثيرا في الأوساط العلمية ...
فهيا بنا نستعرض الآراء والمواقف العلمية حولهما وبالاخص في الآونة الأخيرة :
أولا : تفسير كوبنهاجن وهو تفسير مبني على طابع المحلية loclity = حيث يكون وجود الراصد عامل أساسي ورئيسي في تفسير حركة وسلوك الجسيمات وهو الاكثر قبولا في البداية والمأخوذ به لدى العلماء .. ولهذا التفسير عدة مميزات بالنسبة للمؤمنين وهي :
1- اثبات القيومية لله تعالى .. حيث لابد أن تتدخل العناية الإلهية في كل آن وإلا لانهار العالم الذري وبناء عليه انهار الكون .
2- التأثير القياسي على الموجودات دون الذرية = ما يعني أن الراصد هو تقريبا من يعطي معنى للوجود .. وبالتالي فنحن أصل وعامل رئيس في هذا الكون .
3- تبرير المعجزات والسلطان الالهي حول كل شيء ، فكل شيء محتمل وبالتالي المعجزات هي شيء احتمالي جوازي .
4- مفهوم الاحتمالية ينفي مفهوم الجبرية = حرية الارادة
لكن على الجانب الآخر هذا التفسير عليه مؤاخذات وعيوب وهي :
1- ثبوت القيومية أو تبرير المعجزات يكون على المستوى الذري ! لكن وماذا عن العالم الماكروسكوبي ؟ فلا يصح أن اختزل ذلك في جانب دون آخر .
2- الله عز وجل خلق الكون بقوانين ثابتة تعمل بها الاشياء وكل مستوى له قوانينه التي يختص بها دون غيره وبالتالي فاعتبار أن القياس = تغيير في سلوك المادة = احتمالية أن يغير الانسان من طبيعة الوجود متى امتلك القوة العلمية والتكنولوجية على ذلك .
3- يستطيع الملحد أن يجد مدخل من خلاله لنفي السببية .
......
ثانيا : تفسير ديفيد بوم وهو مبني على طابع اللامحلية non loclity = وجود متغيرات خفية وده السبب الرئيسي تقريبا في رفضه أول الأمر ( مع أنه لا يوجد أي دليل علمي واحد يقول بخطأ هذا التفسير ) بالطبع لا يمكن إعتبار نظريات المتغيرات الخفية نظريات علمية ولهذا لم يستطع اقناع الفيزيائيين بهذا-أظن أننا نعلم الفيزيائيين جيدا ورفضهم لأي افتراض خفي أو غيبي مع إنهم عملوا ذلك في التفسير الربع بالأعلى .. !
*تفسير بوم فائدته وميزته أنه يجعل السببية قائمة في ميكانيكا الكم كما هي في العالم الماكرو . بينما تفسير كوبنهاجن بيقول بنفي الحتمية ، وكثير من الملاحدة بيستغله للقول بنفي السببية ما دام انتفت الحتمية .. وهو غير مبرر بالطبع .

والآن دعونا نحاكم هذين التفسيرين علميا و تعالوا نشوف آراء العلماء في هذا :
:
1-يقوم تفسير كوبنهاجن على أساس قطة شرودنجر التجربة الذهنية .. لكن حقيقة الأمر أن قطة شرودنجر هي مجرد احتمالية بالنسبة للراصد وليس بالنسبة للحالة التي ستكون عليها القطة ، فالقطة على مستوى الواقع إما حية 100 % وإما ميتة 100 % أما نسبة الاحتمالية وتراكب الدالة الموجية وكونها حية وميتة بنسبة 50% لكل منهما فهذا بالنسبة للراصد ، فلو استطاع الراصد أن يصغر حجمه إلى حجم فوتون مثلا وقام بالنظر لها فهو سيعرف حالتها دون حاجة إلى احتمالات . .فعالم الكم الذي يظن البعض أنه عالم مخترق تحكمه العشوائية هو عالم محكوم منضبط بضوابط ومحكوم بقوانين يستحيل عليه مخالفتها ،ولذا يقول العالم روجر بنروز الرياضياتي الشهير واصفا العالم الكمومي قائلا : " مما يقوله الناس عن ميكانيكا الكم أنها غامضة وغير محددة ولا يمكن التنبؤ بها ، لكن ذلك ليس صحيحا ، ومادام الأمر متعلقا بالمستوى الكمي ، نقول إن ميكانيكا الكم محددة ودقيقة ، وتتضمن ميكانيكا الكم – في صورتها الأكثر شيوعا – استخدام معادلة تسمى معادلة شرودنجر التي تحكم سلوك الحالة الفيزيائية لمنظومة كمية – تسمى حالتها الكمية – وهذه معادلة محددة 7. 

2- أما عن قطة شرودنجر :
فلو كانت القطة التى فى التجربة الذهنية تتصرف وفقاً للنظرية الكمية فإنها يجب أن تكون فى حالات عدة فى وقت واحد (و هو ما يُعرف بحالات التراكب) : إما حية أو ميتة .... و التفسير الأشهر للفيزيائيين الذى يُفسر لماذا لا نرى مثل هذا التراكب (أى أننا نرى حالة واحدة فقط للقطة و ليست حالات متراكبة) هو التفاعل مع البيئة المحيطة للنظام الكمى .. فبمجرد تفاعل النظام الكمى مع جسيم شارد أو مجال مجاور فإنها تنهار احدى حالات التراكب و يأخذ النظام حالة واحدة و هى التى نراها فى حياتنا اليومية .

ولكن وفقاً لدراسة حديثة من باحثين فى جامعة فيينا فإنه حتى و إن قمنا بعزل النظام الكمى عن مثل هذه التفاعلات مع البيئة المحيطة بحيث يحتفظ بحالات التراكب و يكون فى حالة تراكب كمى فإنه سوف ينهار أيضاً الى حالة واحدة على الأقل على سطح الأرض .8

يقول إيجور بيكوفيسكى (Igor Pikovski) ==> " فى مكان ما فى الفضاء بين النجوم فإن القطة يُمكنها أن تحتفظ بالترابط الكمومى (تحتفظ بحالات التراكب) و لكن على الأرض أو بجانب أى كوكب آخر فإن الأمل فى ذلك ضعيف "
فإنه وفقاً لكلام إيجور فإنه يؤكد على أن هذا الإنهيار يحدث بسبب الجاذبية .
فكرة بيكوفيسكى و زملاؤوه تم وضعها فى ورقة بحثية نُشرت فى مجلة الطبيعة (Nature) فى 15 يونيو و هذه الورقة الى الآن تُعتبر حجة رياضية . و لكن ما زال علماء الفيزياء التجريبية يأملوا على أن يختبروا اذا ما كانت الجاذبية تؤدى الى انهيار احدى حالات التراكب (ما يُسمى بالتراكب الكمى) أم لا 9.

3-يُعد روجر بنروز أحد أكبر الرافضين لمبدأ كوبنهاجن حتى أشار في أحد كتبه عن هذا المبدأ بأن ليس له معنى على الإطلاق 10(makes (absolutely no sense

4-كذلك عالم الفيزياء الهولندي جيرارت هوفت وهو حاصل على نوبل في الفيزياء نتيجة ابحاث له في ميكانيكا الكم نجده غير راضي عن مبدأ المحلية الخاص بكوبنهاجن وينتصر لمبدأ الحتمية الكوانتي 11 ، هذا بتاريخ (Submitted on 24 Aug 2009) كما موجود بالمصدر .

5-ورقة بحثية في مارس 2013 تشتمل على احصائية حول قبول تفسيرات الكوانتم 
سنجد تفسير كوبنهاجن حاصل على 4 % وتفسير بوم حاصل على 17% طبعا النسبة الاكبر فضلوا عدم اختيار اي تفسير مطروح ونسبة 17% فضلوا الجانب العلمي كما هو موضح بالصورة التالية12 :
اضغط على الصورة لعرض أكبر

الاســـم: qc.jpg
المشاهدات: 347
الحجـــم: 12.3 كيلوبايت
الرقم: 2574
6-ورقة بحثية تشتمل على احصائية ايضا بتاريخ June 18, 2013 يعني بعد الاولى بحوالي خمس شهور 
نلاقي اختيار تفسير كوبنهاجن = مبدأ الاحتمالية يصل الى 4% بينما تفسير بوم = مبدأ الحتمية يصل الى 63% وذلك كما هو موضح بالصورة التالية 13 :
اضغط على الصورة لعرض أكبر

الاســـم: qb.jpg
المشاهدات: 372
الحجـــم: 8.9 كيلوبايت
الرقم: 2575
من السابق نجد أننا لسنا مجبرين على قبول تفسير كوبنهاجن أو قبول الاحتمالية في عالم الكوانتم ... وأن القول بسقوط السببية أو حتى الحتمية في العالم الكمومي ليس عليه دليل علمي واحد تجريبي أو رصدي يدعمه . فما هي إلا مجرد تفسيرات .. !
وأختم موضوعي بقول يستيفن واينبرج :
معظم الفيزيائيين يستخدمون ميكانيكا الكوانتم كل يوم في حياتهم العملية ، دون حاجة للقلق بشأن المشكلة الأساسية المتمثلة في تفسيرها14 ....
Most physicists use quantum mechanics every day in their working lives without needing to worry about the fundamental problem of its interpretation.
لكنك ستجد ملحد عربي ترك هؤلاء العلماء ، وأتى بتفسيرجديد لها مدعيا هدمها السببية والحتمية.. ! ، مع أنه لا يملك دليل علمي واحد فقط يدعم مقولته هذه .
.....
هذا والله اعلم .

1- بول ديفيز و جوليان براون . الأوتار الفائقة ، نظرية كل شيء . ترجمة د.أدهم السمان - ص11
2- http://www.nobelprize.org/nobel_priz...aureates/1921/
3- https://www.aip.org/history/heisenberg/p09.htm
4-http://arxiv.org/pdf/quant-ph/0510180
5-http://arxiv.org/pdf/quant-ph/0610046
6-Everett, H., III (1957) \The theory of the universal wave function." Pages 1{140 of
DeWitt and Graham (1973).
7-روجر بنروز- فيزياء العقل البشري والعالم من منظورين- ص 27.
8-http://www.nature.com/news/2011/050411/full/news.2011.210.html
9-http://www.scientificamerican.com/article/gravity-kills-schroedinger-s-cat/?WT.mc_id=SA_SPC_20150625
10 -William Lane Craig and J. P. Moreland, eds. The Blackwell Companion to Natural Theology (Chichester, U.K.; Malden, MA : Wiley-Blackwell, 2009), p.183
11- http://arxiv.org/abs/0908.3408 
12-http://arxiv.org/pdf/1303.2719v1.pdf 
13-http://arxiv.org/pdf/1306.4646v2.pdf
14-Steven Weinberg .Dreams of a final theory . A Division of Random House, Inc. New York . p84
بحث علمى حديث يصرح بأن السببية قائمة فى ميكانيكا الكم دون الحتمية وأن الحتمية هى الأخرى يمكنها أن تقوم بدون السببية فى نماذج افتراضية أخرى ليبرهن على أن السببية والحتمية مفهومان مستقلان تماما وإن كان هناك تشابك بينهما يسبب اللبس فى كثير من الأحيان
Causality has often been confused with the notion of determinism. It is mandatory to separate the two notions in view of the debate about quantum foundations. Quantum theory provides an example of causal non-deterministic theory. Here we introduce a toy operational theory that is deterministic and non-causal, thus proving that the two notions of causality and determinism are totally independent.
السببية كثيرا ما يتم الخلط بينها وبين الحتمية .ومن الضرورى الفصل بين المفهومين فى ضوء النقاش حول أسس الكم النظرية الكمية تقدم مثال للنظرية السببية الغير حتمية ونحن هنا نقدم نظرية اللعبة التشغيلية والتى هى حتمية وغير سببية مما يثبت أن مفهومي السببية والحتمية مستقلين تماما
http://iopscience.iop.org/article/10.1088/0031-8949/2014/T163/014013/meta;jsessionid=E3BF69A4D247F0D4C772C998070B1967.c1.iopscience.cld.iop.org

كتبه ا/مصطفي ناصر قديح

هناك تعليق واحد: