الأربعاء، 9 يناير، 2013

تركيب الذرة

إن الهواء والماء والجبال والحيوانات والنباتات وجسمك والكرسي الذي تجلس عليه، وباختصار، كل شيء تراه، وتلمسه، وتشعر به من أثقل الأشياء إلى أخفها مكون من ذرات· وتشتمل كل صفحة من صفحات الكتاب الذي تمسك به في يدك على بلايين الذرات· والذرات هي جسيمات دقيقة  تم  التعرف عليها من خلال الحسابات العلمية الدقيقة ويبلغ قطر الذرة نحو جزء من مليون جزء من المليمتر .

ولا يمكن للإنسان أن يتصور هذا الحجم لذلك، دعونا نحاول أن نفسره بمثال تخيل أنك تحمل مفتاحا في يدك· لا شك في أنك من المستحيل أن ترى الذرات الموجودة في هذا المفتاح· وإذا قلت إنك ينبغي أن ترى الذرات، فيجب عليك حينئذ أن تكبر المفتاح الموجود في يدك حتى يصل إلى حجم العالم· وبمجرد أن يصبح المفتاح الموجود في يدك بحجم الأرض، تكون كل ذرة من الذرات الموجودة داخل المفتاح بحجم حبة الكرز·13

دعونا نضرب مثالاً آخر لفهم مدى دقة الذرات وكيف أن كل مكان وكل شيء مليء بالذرات لنفترض أننا نريد أن نحصي جميع الذرات الموجودة في حبة ملح واحدة، ولنفترض أيضا أننا قادرون أن نحصي بليون (1,000,000,000) ذرة في الثانية· على الرغم من مهارتنا الكبيرة، فإننا نحتاج إلى أكثر من خمسمائة سنة لنحصي عدد الذرات الموجودة داخل حبة الملح بالغة الصغر·14

إذن، ماذا يوجد داخل هذه البنية الصغيرة ؟

على الرغم من أن حجم الذرة صغير جدا، فإنها تحتوي على نظام فريد ومعقد وخال من الأخطاء يمكن مقارنته من حيث التطور بالنظام الذي نراه في الكون ككل وتتكون كل ذرة من نواة وعدد من الإلكترونات تتحرك في أغلفة مدارية تبعد مسافة كبيرة جدا عن النواة وتوجد داخل النواة جسيمات أخرى تسمى البروتونات والنيوترونات ·

و فيما يلي نظرة على التركيب غير العادي للذرة التي تمثل أساس كل شيء حي وغير حي، وسنرى كيف تتجمع الذرات لتكون جزيئات وفي النهاية، مادة ·

القوة الخفية في النواة

توجد النواة في وسط الذرة بالضبط وتتألف من عدد معين من البروتونات والنيوترونات حسب خصائص تلك الذرة· ويبلغ نصف قطر النواة نحو جزء من عشرة آلاف جزء من نصف قطر الذرة· وللتعبير عن ذلك بالأعداد، يبلغ نصف قطر الذرة  8-10 (0,00000001) سم، في حين يبلغ نصف قطر النواة  12-10                     ( 0,000000000001 ) سم ومن ثم، يساوي حجم النواة جزءا من عشرة بلايين جزء من حجم الذرة ·

وبما أننا لا نستطيع أن نتصور هذا الاتساع (من الأفضل أن نقول: الدقة)، دعونا نرجع إلى مثالنا الخاص بحبة الكرز· فلنبحث عن النواة داخل الذرات التي تصورناها في حجم حبة الكرز عندما تم تكبير المفتاح الموجود في يدك حتى أصبح في حجم الأرض· ولكن مثل هذا البحث لن يكون مجديا، لأنه حتى بهذا المقياس، يستحيل علينا تماما أن نرى النواة، التي ما زالت صغيرة جدا· وإذا أردنا حقا أن نراها، يجب علينا أن نغير المقياس مرة أخرى· إذ ينبغي أن تتمدد حبة الكرز التي تمثل ذرتنا مرة أخرى وتصبح في حجم كرة قطرها مائتا متر· وحتى بهذا المقياس الذي لا يصدق، لن يزيد حجم نواة ذرتنا عن حجم حبة غبار صغيرة جدا·15

وعندما نقارن نصف قطر النواة البالغ  12-10 سم بنصف قطر الذرة البالغ 8-10سم، سنصل إلى النتيجة التالية: إذا افترضنا أن الذرة كرة وأردنا أن نملأ هذه الكـرة كلها بالـنوى، فسنحتاج إلى  15-10  ( 0,000000000000001 ) نواة· 16

ومع ذلك، يوجد شيء آخر أكثر إثارة للدهشة؛ فعلى الرغم من أن حجم النواة يساوي جزءا من عشرة بلايين جزء من حجم الذرة، فإن كتلة النواة تشكل 99,95 % من كتلة الذرة· كيف يعقل أن شيئا يكاد يشكل كتلة معينة بأكملها، في حين أنه، من ناحية أخرى، لا يكاد يشغل أي حيز؟

السبب يكمن في أن الكثافة المكونة لكتلة الذرة ليست موزعة بالتساوي على الذرة بأكملها، وهو ما يعني أن كتلة الذرة كلها تقريبا مجمعة في النواة· فلنقل أن لديك منزلا مساحته 10 بلايين متر مربع وأنك مضطر لأن تضع جميع أثاث المنزل في غرفة مساحتها متر مربع واحد· هل تستطيع أن تفعل ذلك؟ بالطبع لن تستطيع· ولكن النواة الذرية تستطيع أن تفعل ذلك بفضل قوة هائلة لا تشبه أية قوة أخرى في الكون· وهذه القوة هي ''القوة النووية الشديدة''، إحدى القوى الأساسية الأربع في الكون  ·

هذه القوة، أشد القوى في الطبيعة، تحافظ على النواة سليمة وتمنعها من التجزؤ إلى قطع صغيرة· إذ إن جميع البروتونات في النواة شحناتها موجبة، ومن ثم فهي تتنافر عن بعضها البعض بسبب القوة الكهرومغناطيسية· ومع ذلك، تصبح هذه القوة الكهرومغناطيسية بلا فعالية نتيجة للقوة النووية الشديدة، التي هي أقوى 100 مرة من القوة التنافرية بين البروتونات، وهكذا تظل البروتونات متماسكة ·

ولتلخيص ما سبق، توجد قوتان عظيمتان تتفاعلان مع بعضهما البعض داخل الذرة التي هي من الصغر بمكان بحيث يتعذر علينا رؤيتها· وتستطيع النواة أن تحافظ على تماسكها ككل بفضل القيم الدقيقة لهاتين القوتين ·

وعندما نتأمل حجم الذرة وعدد الذرات الموجودة في الكون، يستحيل علينا ألا نلاحظ وجود قدر هائل من التوازن والتصميم الفعالين· ومن الجلي للغاية أن القوى الأساسية في الكون قد خلقت بطريقة خاصة جدا وبقدر عظيم من الحكمة والقوة· ولا يلجأ أولئك الذين يرفضون الإيمان بالله إلى أكثر من الادعاء بأن كل هذه الأشياء قد نشأت نتيجة ''مصادفات''· ومع ذلك، فإن الحسابات العلمية للاحتمالات تضع ''صفرًا'' لاحتمال نشوء التوازنات الموجودة في الكون ''بالمصادفة''· وتعتبر كل هذه الأشياء أدلة واضحة على وجود الله وكمال خلقه ·

 (وَسِعَ رَبِّي كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا أَفَلاَ تَتَذَكَّرُونَ)  سورة الأنعام : 80  

13.جان جيتون، الله والعلم:نحو ما وراء الحقيقة، باريس: جراسيه، ،1991 صفحة ·62

14.جان جيتون، الله والعلم: نحو ما وراء الحقيقة، باريس: جراسيه، ،1991 صفحة ·62

15.جان جيتون، الله والعلم: نحو ما وراء الحقيقة، باريس: جراسيه، ،1991 صفحة ·62

16. جان جيتون، الله والعلم: نحو ما وراء الحقيقة، باريس: جراسيه، ،1991 صفحة ·62


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق