الثلاثاء، 27 نوفمبر، 2012

نقد الدروانيه الحديثه





http://upload.wikimedia.org/wikipedia/commons/thumb/5/5b/Tree_of_life_with_genome_size.svg/500px-Tree_of_life_with_genome_size.svg.png


(إذا أردت مقولة تجيب بها على أي سؤال في الأحياء، فقل: إن الأشياء أعقد مما تبدو!)

مايكل بيهي

النظرية الدارونية الحديثة



النظرية التركيبية الحديثة modern synthesis theory أو النظرية الدارونية الحديثة neo-Darwinism theory هي امتداد لنظرية دارون الكلاسيكية التي افترضت أن التنوع الحيوي يعود إلى أصل واحد فيما يسمى "التطور"، ولما كانت هذه النظرية لا تهتم بآلية التطور، جاءت الدارونية الحديثة لتقدم شرحًا لآلية التطور استنادًا على علم وراثة العشائر مع إبقاء أسس الدارونية الكلاسيكية كالانتقاء الطبيعي والجنسي وغيرهما، لذا فقد ظهر تعريف آخر للتطور وهو مقدار التغير في تكرار المورث في العشيرة، مع إبقاء التعريف الأول. وبالتالي فإن هجرة الأوروبيون إلى أستراليا تعني أن الشعب الأسترالي الأصلي قد تطور بيولوجيًا وفق التعريف الثاني، ومن هنا صار عندنا مفهومين منفصلين للتطور: التطور الدقيق microevolition والتطور الكبير macroevolution.


إن وجود تعريفين للتطور كثيرًا ما يوقع الخلاف بين أنصار النظرية ومعارضيها، إذ حين يقدم البعض أدلة صحيحة على التطور كظهور فيروس الأنفلونزا الجديد، يمتعض الآخرون ويأخذون بنقد جوانب أخرى للنظرية تفترض الأصل المشترك للإنسان أو كل الأحياء، لذا ينبغي التفريق بين التعريفين والإلمام بتفاصيل النظرية بدلاً من نقدها ككل، فالنظرية لها كثير من الجوانب الصحيحة التي لا يعترض عليها أحد ولا تصطدم مع الدين بل وتفسر ما تفترض أن تفسره بشكل سليم، وفي المقابل فإن التسليم بصحة كل ما في النظرية أمر خاطئ وهو ما سأتعرض له هنا. يقول مايكل بيهي (الدارونية الحديثة فسرت التطور الدقيق microevolution بشكل رائع، لكن عند الحديث عن التطور الكبيرmacroevolution فعلى التطوريون أن يصمتوا). وبالضبط فإن هذه المقولة هي واقع الحال في معظم الخلافات الني نراها فالمؤمن ينتقد التطور الكبير فيرد عليه الملحد بأدلة على التطور الدقيق ولا يصلون لنتيجة.

هذه الملاحظة أحببت أن أذكرها كمقدمة، والآن لنبدأ بنقد النظرية الدارونية الحديثة...



الابستمولوجيا الدارونية



يبني التطوريون أسس ونتائج دراستهم على مجموعة من الطرق المعرفية التي "يظنون" أنها قطعية الدقة، ويصلون من خلال هذه الطرق إلى ما يسمونه بالحقائق المعرفية (نظرية التطور)، فهل وسائل المعرفة هذه قطعية الدقة حقًا؟

سأذكر بعضًا من أدوات المعرفة المستخدمة من قبل التطوريين..


حساب عمر الأحافير


لحساب عمر الأحفورة بدقة يجب أن تتوفر الشروط التالية في المواد المُقاسة:

•عدم إضافة أو حذف جزء من المادة المتحللة الموجودة في الأحفورة.

•عدم حذف أو إضافة جزء من المادة الناتجة عن التحلل.

•التيقن من ثبات سرعة التحلل مهما اختلفت الظروف.

ونظرًا لاستحالة التأكد من هذه الشروط، يمكننا التشكيك بعمر أية أحفورة.


وراثة المايتوكندريا


يستخدم التطوريون المادة الوراثية الموجودة في المايتوكندريا mtDNA في تعقب تاريخ التطور، ولكون هذه المادة الوراثية مصدرها خلايا الأم فقط ولا تختلط بالحيوان المنوي فإنه يمكن دراسة الاختلافات فيها بين البشر وتعقب تاريخهم استنادًا على سرعة التطفر.


لقد ظهرت نظرية "الخروج من أفريقيا "Out of Africa" نتيجة دراسة هذا التتبع الوراثي وتعقب الهجرات حيث وجد التطوريون سندًا متصلاً في وراثة المايتوكندريا يعود إلى مائتي ألف سنة في أفريقيا، وكعادتهم الساخرة من الدين أطلقوا لقب "مايتوكندريا حواء" على هذا الأصل استهزاءً بالخلقيين، لكن لتعاسة حظهم ساد بين العامة الظن بأن هذا اكتشاف علمي لوجود حواء حقًا وأنها أصل البشر!! فوقع التطوريون في شر أعمالهم وأرهقوا أنفسهم في شرح أن هذا شيء مختلف وأنها ليست حواء الأديان!! المهم، أن هذا الاكتشاف أمر مهم في التطور البشري حيث تم تحديد المكان والزمان الذي يرجح فيه ظهور البشر، وظلت هذه النظرية قرابة العشرين عامًا وهي تكرر من قبل التطوريين في الأوساط العلمية بل واتجهوا أيضًا للبحث عن "آدم" البشر !!حتى عهد قريب...


كانت الصفعة المدوية لهذه النظرية عندما اكتشف أن المايتوكندريا يمكن أن تنتقل من الحيوان المنوي في حالات نادرة! وهذا أحدث ثورة قالبة في علم الأحياء وفي نظرية التطور خصوصًا، فوجود حالة واحدة فقط من هذا الخلط الوراثي تضيع كل الأبحاث السابقة بنفخة واحدة وتصبح بلا أية قيمة علمية (SCHWARTZ AND VISSING, 2002، WILLIAMS, 2002, 347:611، MORRIS AND MIGHTOWLERS, 2000, 355:1290) .


بالإضافة إلى ذلك، فإن الـ"الساعة الجزيئية "molecular clock" التي يتم حساب سرعة التطفر من خلالها لا تتوافق مع التسلسل الأحفوري، كما لوحظ أن سرعة التطفر ليست خطية ثابتة بل تسارعية بحيث تشير إلى عهد أقرب بكثير من المائتي ألف سنة، وهذا يفقد مصداقية ودقة هذه الأدوات التي يستخدمها التطوريون في إثبات أيديلوجيتهم ( أنظر ANN GIBBON 1998, RODRIGUEZ-TRELLES, ET AL., 2002).


أنظمة التصميم الحاسوبية


يستعين التطوريون بأنظمة الحاسوب في إعادة بناء هيكل الحيوان نتيجة عدم اكتمال هيكله الأحفوري، وهذا يؤدي إلى استنتاجات قد تخالف الواقع.

نذكر مثلاً البناء الحاسوبي التشريحي لإنسان النياندرثالينسز حيث أظهر عدم قدرته على الكلام (LIEBERMAN AND CRELIN, 1971)، لكن بإعادة البناء وباكتشاف أحافير كاملة تحتفظ بالعظم اللامي تبين أنه لا يختلف عنا شيئًا في قدرته على الكلام (TRINKAUS AND SHIPMAN, 1992; SHREEVE, 1995).

هذه بعض الأمثلة على أدوات المعرفة التطورية فقط وليست كلها، واللائحة تطول.



مغالطات الدارونية الحديثة


في بحر الدارونية الحديثة تظهر مغالطات في بعض الجوانب لا ينتبه إليها التطوريون، نذكر منها:


مغالطة الدليل الدائري


افترض التطوريون انبثاق الأحياء من أصل واحد، ثم قدموا ما يسمى بالـ"أدلة"، ثم انتهوا إلى صحة الفرض! إن معظم هذه الأدلة كالتماثل الجزيئي والوراثي والتشابه الجنيني تستند على علوم حديثة لم تكن معروفة عند ظهور نظرية التطور، فما هي المشاهدات الـ"كثيرة" التي استدعت افتراض الأصل المشترك في ذلك الوقت؟


من الأدلة الدائرية الأخرى دليل التماثل Homology، فالتماثل هو التشابه التشريحي بين نوعين نتيجة الأصل المشترك، مثلاً عدد العظام الطرفية في الأطراف العليا عند الإنسان والوطواط والحوت خمسة (الأصابع) نتيجة انحدارهم من أصل مشترك، وعدد عظام الجمجمة في الإنسان والشمبانزي متماثل لنفس السبب، لكن يعرض التطوريون التماثل كدليل على التطور! وبالتالي وضعوا النتيجة في المقدمة.



مغالطة عدم التخطيء


إذا قال شخص: إذا لعب فريق (أ) مع فريق (ب) فسوف يربح أو يخسر أو يتعادل..

هل لهذه الجملة أية قيمة علمية؟ طبعًا لا، لأنه لا يمكن تخطئتها.


بالمثل فإن الدارونية الحديثة تحوي الكثير من هذه المغالطات في جوانبها، إن من أهم شروط التي تجعل النظرية علمية هو إمكانية تخطيئها Falsifiable، وإلا صارت بديهية وليست نظرية عليمة.

مثال على عدم التخطيء: التشابه التركيبي بين نوعين قد يكون نتيجة انحدارهما من أصل واحد أو من أصلين مختلفين.


وهذا ما غالطته الدارونية، إذ يقدم التطوريون مفهوم الـ"تناظر Analogy" " بجانب التماثل Homology، فالتناظر هو التشابه في الخصائص بين نوعين بعيدين تطوريًا، بينما التماثل هو التشابه نتيجة الأصل المشترك، وللتفريق بينهما يتم الرجوع للأصل التطوري للتحقق (تعريف دائري آخري)، وبالتالي لا يمكن تخطيء دليل التماثل.


ومن أمثلة عدم التخطيء أيضًا، أن نقول للتطوريون أن الطفرة لا تنتج أهدابًا في البكتيريا cillia، ثم نقدم لهم ألف تجربة لم تنتج الأهداب، فهل سيقتنعون؟


وأيضًا نذكر المورثات المسؤولة عن قتل الخلية بشكل مبرمج Apoptosis، فلماذا تواجدت مثل هذه المورثات؟ ولماذا توجد مورثات تمنع التكاثر وأخرى تدعمه؟ يجيب دوكن بأنها "أجبرت" الخلية على احتوائها! أين ذهب الانتقاء الطبيعي؟ ألا يمكن القول بأن أي مورث "أجبر" الخلية على احتوائه؟ إن التناقضات في عمل المورثات كثيرة لا تقتصر على مورثات الموت وبالتالي لا يمكن إيجاد تفسير واحد لظهور مورثات متناقضة ولا يمكن اختبار صحة هذا النشوء.


ولا ننسى أخيرًا نظرية الانتقاء الجنسي التي يُعزا إليها التفارق الشكلي بين الجنسين Dimorphism (أي مدى اختلاف الشكل الخارجي بين الجنسين لنفس النوع)، فهي تعتمد على "مزاج" الأنثى التي انتقت هذا الشكل في الماضي السحيق، دون أن تبين لماذا انتقت هذا الشكل ولم تنتق غيره.


استحالة التجربة


إن افتراض تطور ديناصور الـ Pterosaurs مثلاً وقدرته على الطيران يجب أن تخضع للتجربة من أجل التحقق، فكيف يمكننا التأكد من ذلك لنوع منقرض؟

لا ننسى أيضًا أن التطور على المستوى الكبير macroevolution يحدث في اتجاه واحد فقط، فلا يمكن أن نرجع طائرُا إلى سلفه السابق أو إلى ديناصور لنتأكد من صحة النظرية.


مغالطة عدم الإفادة


الدارونية الحديثة هي نظرية اختزالية reductionistic، آلية mechanistic، وراثية التمركز gene centered approach، تمثلها استعارة دوكن في الـ"مورثات الأنانية selfish genes"، فكل مظاهر الحياة وكل شيء في الكائن الحي يُختزل على مستوى المورث، وسير الحياة هو نتيجة التنافس بين هذه المورثات، وما نحن إلا "عربات" أو "روبوتات" تحكمها هذه المورثات وتجبرنا على تكاثرها واستمرارها.

إن هذه الفلسفة للدارونية الحديثة لم تفسر العديد من المشاهدات والتي لوحظت أنها هي السائدة وليست الـ"استثنائية" كما كان يُعتقد، فلنلق نظرة على مالم تفسره النظرية:


*ملاحظة أن التطور يحدث على أكثر من مستوى multilevel process، وليس على المستوى الوراثي فقط.


*عدم تفسير نشوء الأنظمة المعقدة في مجالات الحياة Complexity.


* عدم تفسير ظاهرة الكائن الفائق Superorganism، مثلاً في النمل المحارب army ants يُنظر إلى العمل الجماعي له ككائن حي تام يحكمه نظام كامل يشبه النظام الذي يحكم الفرد، إن نشوء هذه الظاهرة لا تفسرها المورثات ولا تفسرها سذاجة البساطة الدارونية "التكاثر التفارقي".

* تزايد الأبحاث التي تشير إلى علاقة "تنشئة" بين الأحياء والبيئة، وليست علاقة تكاثر وغذاء فقط.

* ملاحظة أهمية السلوك والثقافة والتعليم في سير التطور (خصوصًا في الإنسان) وأنه هو صانع الخطو pacemaker وليست المورثات.


* ملاحظة أن المورثات ذات علاقة تعاونية وليست علاقة أنانية selfish أو "bean bag" كما وصفها Ernst Mayr.


*ملاحظة أن العلاقة السائدة بين الأحياء هي علاقة التعاون، وليست علاقة التنافس، فالتعاون ظاهرة شاذة على فلسفة "المورثات المتنافسة" بينما في الواقع فإن التنافس هو الظاهرة الشاذة والتعاون هو الظاهرة السائدة، تشير مارجلس Margulis إلى أن التعاون موجود في الممالك الخمسة، وأن معظم الكائنات الحية تمارس التعاون الداخلي والخارجي endo-ecto symbiosis،وأن 27 شعبة من شعب الأحياء حقيقية النواة eukaryotic phyla تمارس التعاون الداخلي(( Margulis 1987))، أما النباتات الحديثة فإن 90% منها تتعاون مع فطر MYCORRHIZAL والسجل الأحفوري يشير إلى هذا أيضًا (Smith & Douglas 1987)، كما أن الأنواع المجترة RUMINANTS يعتمد جميعها على البكتيريا المتكافلة في الحصول على الغذاء (P.W. PRICE 1991).

هذا غير سلوكي التضحية والإيثار Altruism الشائع في عالم الحيوان والذي يتناقض مع الفلسفة الساذجة في "التنافس" و "التكاثر"، مما دفع الدارونية الحديثة إلى التسول من نظريات أخرى ترقع ثقوبها الكبيرة كنظرية الكفاءة الكلية (Inclusive fitness theory) ونظرية الألعاب (Game Theory) والتي عمل التطوريون على درونتها كي تتوافق معهم.


*ملاحظة أن تأثير "الكل" أهم من تأثير "البعض"، فالفرد لا يؤثر كالمجمتمع، وهذا ينقض الاختزالية الدارونية.


* ملاحظة تأثير الإدارة والقيادة Cybernitic على الأفراد ونمط سلوكهم وتكاثرهم، وهذا ينقض الاختزالية والتمركز الوراثي وأنانية المورثات.


* ملاحظة أن ما يسمى بالـ"طبيعة" تؤثر في خلق معلومات جديدة، وهو ما يسميه التطوريون الآن بـ" دوافع التطور selective pressures"، فبعد أن قبرت الدارونية لامارك، فإن شبحه يظهر لهم من فترة لأخرى.


مغالطة التناقض


إن افتراض مركزية المورثات وأنانيتها في التحكم فينا يتناقض مع وعينا لذلك ومقدرتنا على "عدم الانصياع" للمورثات وتحكمنا بها الآن، فالبشر يختارون الانتحار أو عدم التزاوج والإنجاب.(أنظرMary Midgley التطور كديانة).




نقد الانتقاء الطبيعي



قبل أن أشرع بالنقد، أود توضيح أن "الانتقاء الطبيعي" يقع تحت تصنيف الـ"نظرية"، فهو ليس بفرضية ولا بقانون بل نظرية ابتكرها والاس وتبناها دارون من بعده وأسس عليها نظريته المعروفة ومن ثم تبنتها الدارونية الحديثة، وفي كثير من المراجع يوصف بـ"نظرية الانتقاء الطبيعي"، ومما يؤكد كونه نظرية هو ظهور نظريات أخرى تفسر التطور بعيدًا عنه، لذا فإنني سأنقد الانتقاء الطبيعي بالأسس التي تنقد فيها أي نظرية، وسأشير إليها اختصارًا بلفظ "الانتقاء الطبيعي".


عدم التماسك


إن الشرط الأول لصحة النظرية هو تماسكها الداخلي والخارجي consistency، أي أن يشكل تعريفها وأفكارها وفلسفتها وحدة متناسقة فيما بينها وبين النظريات الأخرى المكملة لها، إلا أن الطريف في الأمر أن تعريف الانتقاء الطبيعي -أساس الدارونية الحديثة- يتعرض لجدل واختلاف كبيرين بين التطوريين! لنتصفح بعضًا من التعاريف المتاحة:


(( إن آلية التكيف adaptation تمثل الانتقاء الطبيعي، إنه يعمل على الحفاظ على قدر أكبر من الملاءمة على شكل معين من الحياة)) Gaylord Simpson 1967 p 219.


(( الانتقاء الطبيعي يبذل جهده لينتج برامج وتصرفات تضمن زيادة الكفاءة fitness))

Ernst Mayr 1976 p 365.


((الانتقاء الطبيعي لا يُعنى بالصراع من أجل البقاء، بل يُعنى بالتكاثر التفارقي differential reproduction)) أنظر Lewin, 1965, p 304.


((الانتقاء الطبيعي هو المؤسسة التي تقولب تشكل الأنواع للكائنات الحية species))

Wilson, Sociobiology, p 67.


وحديثًا، أعطى ولسن تعريفًا آخر للانتقاء الطبيعي بأنه ((البقاء والتكاثر التفارقيين))

Wislon 1987.


(( نظرية دارون لا تهتم بالحيوانات أنفسها، بل بنجاح تكاثرها reroductive success))

Russell Foster, 2004, p 163.


بينما يرى دوكن Dawkin أن الكائنات الحية عبارة عن روبوتات تتحكم بها مجموعة من المركبات الأنانية (المورثات) تمثل آلية التطور. Dawkin 1989 p 5، Endler 1992.


هذه فقط بعض التعريفات التي أتيحت لي، وكما نرى فإن تعريف الانتقاء الطبيعي يختلف كثيرًا من واحد لآخر، فدارون ركز على أن التكيف هو محك الانتقاء، ثم ضخم هكسلي (الملقب بكلب دارون Darwin's bulldog) معيار القوة، ثم غيرت الدارونية الحديثة الفكرة كليةً عندما حذر ليونتن من تعريف هكسلي واستبدله بالتكاثر التفارقي، وشتان بين البقاء والتكاثر، فقد يكون الحيوان متكيفًا مع بيئته لكنه عقيم، وبالتالي سيخطئ أحد التعريفين، لذا قام ولسن بجمعهما سوية مع بقاء الغموض في التعريف،ومن هنا تظهر أربعة أسس للانتقاء:
البقاء (التكيف)، التكاثر التفارقي، القوة، إظهار الأنواع.


إن معيار التكيف Adaptation عند دارون معيار صحيح لا نختلف عليه، مثلاً الرجل العجوز لا يصلح لأن يعمل حارسًا شخصيًا، والجمل لا يصلح للعيش في القطبين، والكائنات الحية تختلف في مدى ملاءمتها للظروف البيئية المحيطة، ولا يصلح منها إلا الملائم، إلا أن دارون والتطوريين وسعوا هذه الفكرة وقاموا بحشو التنوع الحيوي فيها، فما دخل الانتقاء الطبيعي بنشوء الأنواع؟

إن نقد الانتقاء الطبيعي الذي سأتعرض له هو الانتقاء المستند إلى التكاثر وإظهار الأنواع، وليس التكيف.


من الأمثلة الأخرى على عدم تماسك النظرية، هو الخلاف حول وحدة الانتقاء، أي ما الذي ينتقيه الانتقاء الطبيعي، وأعني بذلك الانتقاء الجماعي group selection، ففي عامنا هذا سيتم الاحتفال بالذكرى الأربعين لسجل الخلاف الطويل بين التطوريين في أهمية المجموعة في سير التطور، ماير Mayr يرى أن العشائر -وليس الأفراد- هي الشكل الأقصى للتطور، وواردر ألي Warder Allee يتبنى فكرة الـ"كائن الفائق superorganism" لـ Morton Wheeler من قبله والتي تعتبر المجموعة كائنًا حيًا يتم انتقاؤه من بين المجموعات الأخرى، بينما لويليامز هميلتون Williams Hamilton رأي آخر في كتابه التكيف والانتقاء الطبيعي حيث يرى أن الانتقاء على أي مستوى أعلى من الفرد هو انتقاء أبتر impotent !!


وايني إيدوارد Wynne Edwards أثبت أن الإيثار Altruism لا يمكن أن يظهر إلا إذا عمل الانتقاء الطبيعي على مستوى المجموعات، لكن إيدوارد ويلسون Edward Wilson في كتابه Sociobiology يصف الإيثار بأنه "المشكلة الأساسية في علم الاجتماع الحيوي" !! وأنه لتفسيره نحتاج إلى نظريات يصفها بأنها "فوق طبيعية" كالانتقاء الجماعي وانتقاء الأقارب Kin Selection، وأخيرًا يأتي دوكن بأفكاره المتطرفة ويهاجم الانتقاء الجماعي بشدة ويقيد الانتقاء الطبيعي بمستوى المورثات فقط!!!


ومن الخلافات بين التطوريين أيضًا الجدل بين المدرستين التدريجية Gradualism والمحايدة Neutralism في تفسير الانفجار الكامبري لظهور الأنواع، فالمدرسة الأولى الممثلة للدارونية لا تنفك في نقد الثانية بسبب نجاحها في تقديم تفسير للانفجار الكامبري بعيدًا عن الانتقاء الطبيعي.


أما بالنسبة للتماسك الخارجي، فسأضرب مثالاً واحدًا يوضح تناقض الانتقاء الطبيعي مع غيره، ألا وهو الانتقاء الجنسي، فمثال الطاووس الذي عرضه دارون سيؤدي إلى اصطدام بين النظريتين، فالأولى تفترض أن ريش الطاووس الضخم سيعيقه عن الحركة والقنص والهرب وبالتالي عدم ملاءمته ومن ثم عدم انتقائه، بينما يرى الانتقاء الجنسي أن ريش الطاووس عامل جذب مهم للتكاثر وبالتالي البقاء والتكاثر!! فكيف نوفق بين النظريتين؟ طبعًا لا يمكننا ذلك إلا بانتظار النتيجة ومن ثم توفيق ذلك مع مقدمة الافتراض للنظرية.


عدم التنبؤ


يقول كامبل: (( إن الجدل حول نظرية التطور على أنها مجرد "نظرية" أمر مغالط، إن ما يسميه العامة بالنظرية إنما يصنف تحت الـ"فرضية"، بينما نظرية الانتقاء الطبيعي لدارون مثلها مثل نظرية الجاذبية لنيوتن تشمل العديد من الحقائق التي تفسر الظواهر من حولنا )) Campbell, Biology, p 426.

لا أدري ما مدى تفاؤل كامبل وباقي التطوريين عندما يتلفظون بمثل هذه الكلمات،

يقول دارون في كتابه أصل الأنواع ص 318:(( لا أؤمن بقانون ثابت للتطور ))،

ويزيد في صفحة 348: (( لا أؤمن بقانون لتطور ضروري ))،

ويقول دوبزانسكي: (( الانتقاء الطبيعي لا هدف له، ولا بصيرة، ولا نوايا )) , p 377.


شتان ما بين نظرية كالنسبية لآينشتاين تعطينا شرحًا وتوقعًا لمسار الأجرام، وبين نظرية التطور التي تقوم على انتقاء طبيعي عاجز عن تقديم توقع لما سيحدث بعد دقيقة! ففي نفس الوقت الذي يحشو فيه التطوريون فكرة "الميل التطوري evolutionary trends" في محاولة لتفسير التنوع الكلاديستيكي للأنواع، يشددون على أن هذا الميل لا يعني وجود هدف للتطور يتيح لنا التوقع ولا يتناقض مع ظهور أنواع تخالف ذلك الميل! إن هذه العبثية في التوقع تعري التطور من مصداقيته كنظرية كما تؤدي إلى الفكرة التالية أيضًا، وتجدر الإشارة إلى أن عدم وجود قانون لسير التطور لا يعني أنه ينفي "الغائية" فقط، بل ينفي التوقع أيضًا.


استحالة تخطيئه


نذكر بأن إمكانية تخطيء النظرية شرط أساسي لصحتها falsifiability، وإلا صارت بديهية لا يمكن إثباتها ولا نفيها.


إن نفي التوقع عن الانتقاء الطبيعي يوقعه في هذه الحفرة، فالتطوريون يحشون ظهور الأنواع تحت مسؤولية الانتقاء الطبيعي، وهذه الأنواع مختلفة في خصائصها، فتارة نرى أن التطور يميل نحو تضخيم الحجم، فالحصان تطور من حيوان بحجم الكلب، بينما في الهومو فلورسنس HOMO FLORESIENSES كان الميل نحو تقزيم الحجم، وفي جميع الأحوال لا مشكلة لأن الطبيعة تنتقي بلا هدف ولا قانون ثابت، وبالتالي يمكن حشو أية ظاهرة بلا مشاكل ولا يمكننا الاعتراض عليها، وعادة يجري توفيق الظاهرة مع نظرية التطور بعد حدوثها.


مثال آخر:

لنرجع إلى مثال المباراة، الفريق (أ) إما سيفوز أو يخسر أو يتعادل.

ماذا سيحدث للمورث "أ" بعد مليون سنة؟

إما يسود،

أو يندثر،

أو يبقى...

وبكل ظرافة يقدم التطوريون أنواعًا للانتقاء الطبيعي!!!


الانتقاء الاتجاهي Directional selection

الانتقاء المعرقل Disruptive selection

الانتقاء الموازن Balancing selection


فهل يمكننا التحقق من صحة النظرية؟ طبعًا لا لأنه يمكن افتراض حدوث أي ظرف أدى إلى عمل أحد هذه الانتقاءات!! وبالتالي فالنظرية صحيحة دائمًا!!


مثال ثان

الانتقاء الطبيعي يعمل على فترات زمنية مختلفة..

مشاهدة 1/ السجل الأحفوري يدل على وجود أحقاب من السكون التطوري،

التفسير: الانتقاء الطبيعي يحتاج لفترات زمنية طويلة للعمل.

مشاهدة 2/ الانفجار الكامبري (ظهور أنواع معقدة كثيرة فجأة)

التفسير: يمكن للانتقاء الطبيعي أن يعمل في زمن قصير فينتج أنواعًا خلال آلاف السنين فقط.


مخالفة المبدأ الأوكامي


عند مقارنة الأشكال الدقيقة من الكائنات الحية (كالبكتيريا) مع الأشكال المعقدة (كالشمبانزي)، نجد أن كليهما يمثلان فلسفة الانتقاء الطبيعي (السعي للبقاء، التكاثر... إلخ)، وبالتالي فإنه حسب مبدأ أوكام Occam’s Razor كان يجب انتقاء الشكل الأبسط لأنه حقق الوصف المطلوب بأقل المتطلبات، إلا أن الانتقاء الطبيعي ناقض مبدأ أوكام وانتقى الشكل الأعقد!!


الحشوية


وهي تعني التعريف الدائري الذي يقدمه الانتقاء الطبيعي في فلسفته، فالطبيعة تنتقي الـ"أكفأ" لأنه كان أقدرًا على التكيف (حسب دارون) أو أقدرًا على التكاثر التفارقي (حسب الدارونية الحديثة)، بينما كان قادرًا على التكيف أو التكاثر التفارقي لأنه كان الأكفأ!

بهذا التعريف الناقص للأكفأ فقد سقط الانتقاء الطبيعي في مشكلة الحشوية Tautology لعدم تبيانه سبب الكفاءة ولماذا كان هذا الكائن أقدر على التكاثر التفارقي أكثر من غيره.


شح المشاهدات


كثيرًا ما نسمع مقولة "إن التطور يحدث حولنا"، مما يعني زخمًا في المشاهدات، إلا أنه عند عرض هذه المشاهدات فلن نرى إلا القليل القليل، مثل سيادة العث الأسود بعد الثورة الصناعية أو مثال تغير منقار طائر البرقش اللذان لا يخلو كتاب أو موقع تطوري من ذكرهما، فهل هذه الأمثلة البسيطة تكفي لدعم نظرية تفترض تفسير تطور ونشوء الأنواع الهائلة من الكائنات الحية؟ هل يصح أن نعمم على الـ"كل" ما نشاهده على الـ"بعض" القليل؟

إن الزمن الافتراضي للتطور يقف حائلاً أمام إمكانية اختبار النظرية من حيث المشاهدات observations، كما أن فلسفة التطور في انبثاق الأحياء من أصل واحد فقط تعني مشاهدة واحدة فقط حسب تعريفها لأنه لا توجد أنواع أخرى انبثقت من أسلافها لنقيس عليها، فما قيمة النظرية التي تفتقر إلى دليل المشاهدة؟


استحالة التجربة


إن كون "الطبيعة" هي الفاعلة في الانتقاء يضعها في مأزق طريف يجعل من التجربة أمرًا مستحيلاً، فحتى نختبر الانتقاء الطبيعي علينا أن نحضر الـ"طبيعة" إلى مختبر التجربة وألا نتدخل في عملها البتة وأن نعطي عامل الزمن الطويل حقه.. وهذا ما لا يمكن القيام به، لذا فإن طبيعة الانتقاء الطبيعي تحصر اختباره في المشاهدة فقط.



بهذه الأدلة التي قدمتها إلى الآن، لا يسعني إلى اقتباس قول فيلسوف العلم كارل بوبر Karl Popper


(( يجب أن تمتاز النظرية الجيدة بعدد من التوقعات التي يجمعها قانون يمكن تخطئته بالمشاهدة، وفي كل تجربة تتفق مع توقعات النظرية تزيد ثقتنا بها، لكن إذا ظهرت مشاهدة واحدة تختلف معها، علينا أن نقصي هذه النظرية أو نعدلها ))


Hawking, Brief history of time, p 7



هذه هي الدارونية الحديثة، تستند على الانتقاء الطبيعي الأعمى الذي لا يعطي توقعًا واحدًا، ولا تدعمه المشاهدات الكافية، ولا يمكن اختباره بتجربة واحدة، وهو مليء بالأفكار غير القابلة للتخطئة، وإذا أزلنا الغموض عن تعريفه وفلسفته، ظهرت المشاهدات الكثيرة التي تتناقض معه كما سنتناولها الآن، وهنا نتذكر قول كامبل والتطوريين بأن "التطور" نظرية لا تقل عن النظرية النسبية أو الكوانتية في مدى كونها علمية!


غموض وجوده


بعيدًا عن التعريفات الكثيرة والتفاصيل الطويلة للانتقاء الطبيعي والخلافات حول أهميته ووجوده من الأساس، فكما حشا التطوريون ظهور الأنواع في عمل الانتقاء الطبيعي، وبعد ملياري سنة من عمل الانتقاء الطبيعي، ألا يحق لنا أن نسأل:


ما هو الكائن الحي الأكثر كفاءة الذي قام الانتقاء الطبيعي بانتقائه؟


لننتظر الإجابة من التطوريين.


عدم الحاجة إليه


لقد ظهرت في القرن الماضي بعض النظريات التي أعطت حلولاً وتفسيرات لمشاهدات التطور بنسق علمي يفوق الانتقاء الطبيعي ويزيحه إلى حيز الـ"زوائد" التي يقصها المبدأ الأوكامي.

نذكر مثلاً نظرية جولد "الاستقرارات المقاطَعَة Punctuated Equilibrium Theory" التي فسرت الانفجار الكامبري، فالسجل الأحفوري يثبت ظهور الأنواع فجأة وليس بشكل تدريجي عن طريق الأشكال الوسطية، مما حدا بالتطوريين القدامى إلى تبني نظرية "الأحافير غير الكتشفة"! لترقيع هذه العيوب، من هنا جاء جولد بنظريته التي فسرت هذا التنوع المفاجئ.


طبعًا قام التطوريون بدَرْوَنَة نظريته حتى تتماشى مع الدارونية الحديثة، متغاضين عن أن الانتقاء الطبيعي صار زائدًا لا حاجة له، فقد فسر جولد ظهور الأنواع مرتكزًا على الانجراف الوراثيgenetic drift والاستيلاد الداخليInbreeding فقط دون الحاجة إلى الانتقاء الطبيعي! مما يستدعي مقص أوكام لإزالته حتى تصح النظرية.


نذكر أيضًا نظرية التنظيم التلقائي Self Organization Theory، والتي تعطي تفسيرًا رياضيًا للتطور الحياة على جميع المستويات من نشوء الخلية الأولى وتكون الأحياء عديدة الخلايا مرورًا بالأنواع وانتهاءً بظهور التعقيدات العليا على مستوى المجموعة والمجتمع، فمثلاً وجد برايان جودون Brian Goodwin 1994 أن طحلب ACETABULARIA يتبع معادلة رياضية بسيطة طورت ساقه وفروعه من خلية أولى واحدة.




وراثة العشائر



تمثل وراثة العشائر population genetics آلية التطور الداروني الحديث وتقدم تعريفًا للتطور بأنه (مقدار التغير في تكرار المورث في العشيرة)، وبالأدق فإن هذا يسمى التطور الدقيق Microevolution، وهو ما نوافقها عليه.


بالرغم من تنوع الآليات المحركة للتطور الدقيق كالانجراف الوراثي Genetic drift وأثر المؤسس Founder effect والاستيلاد الداخلي Inbreeding والخارجي Outbreeding، تبقى الطفرة هي العجلة المحركة للتطور، فالآليات السابقة لا تنتج "معلومات Information" وراثية جديدة، بل تعمل على اللعب بنسب المورثات فقط ولا تفسر نشوءها، لذا فإنني سأتحدث عن دور الطفرة في نشوء المعلومات الوراثية.



الطفرة وحقائق مُهَمَشة


يبني التطوريون فكرهم ونظريتهم على أساس عشوائية التطفر، ويكفي إلقاء نظرة على الخوارزميات التطورية والأنظمة الحاسوبية لدوكن الممثلة للتطور للتأكد من ذلك.


في حياتنا اليومية نستعمل المفهوم العشوائي ونستفيد من تطبيقه، فالأجهزة الأمنية مثلاً تداهم وتفتش بشكل عشوائي من فترة لأخرى وتكتشف ما تبحث عنه، ولما كانت طبيعة الشريط الوراثي ذات بُعد معلوماتي، فإن عشوائية التطفر لابد أن تنتج معلومات جديدة، فهل الطفرة ذات طبيعة عشوائية حقًا؟


إن افتراض تساوي فرصة التطفر لجميع الأحماض النووية يوقع الدارونية في مشكلة، لأن طبيعة الشيفرة الوراثية ستؤدي إلى سيادة بعض الأحماض الأمينية واندثار الأخرى، فالأحماض الأمينية الآرجنين والسيرين واللوسن لها ست شيفرات، بينما التربتوفان والميثيونين ليس لهما إلا شيفرة واحدة، وبتطبيق عشوائية التطفر سيندثر الأخيران وتسود الأحماض الثلاثة الأولى، ومن ثم تتحطم المعلومات الوراثية في كل دورة تعمل فيها الطفرة.


كما وجد أن البروتينات المتماثلة التركيب تختلف في كفاءة عملها إذا أنتجت من شيفرات متعددة لنفس الحمض الأميني، إذ يبدو أن كل نوع حيوي له شيفرته المثلى وإن أنتجت نفس الحمض الأميني.


من جهة أخرى، يمتاز الحمض النووي السايتوسين C بعدم استقرار هائل فيتطفر كثيرًا إلى اليوراسل U لدرجة أن البعض يشك في وجوده في الأشكال البدائية للحياة، كذلك يميل الجوانين G للتحول إلى الثايمدين T وليس العكس، والزوج GC إلى AT (Eyre-Walker 2002 )، هذا بالنسبة لطفرات الاستبدال، أما الطفرات ككل، فقد لوحظ أن معظم الطفرات هي الطفرات الحاذفة!!!!! أما طفرات الاستبدال والإضافة والانقلاب والمضاعفة فنادرة الحدوث (Petrov 1997, Andersson & Andersson 1999, Zhang & Gerstein 2003).


بالتالي لم تفسر الدارونية الحديثة ما يلي:


1)الاتجاه الحتمي للطفرة نحو تدمير المعلومات الوراثية.

2)اختفاء الوجود الحصري (أو السائد) للثايمدين في القطع غير العاملة في الشريط الوراثي، إذ يفترض التطور أن الطفرة عملت على مدى ملايين السنين.


نذكر أيضًا أن الطفرات تختلف بين الأنواع الحيوية، فالكائنات ذات الشريط الوراثي الواحد تحدث طفرة الاستبدال المذكورة C-->U باحتمالية تفوق عند ذوات الشريطين بمائة مرة، وكذلك طفرات التكسر الشريطي breaks وانفلات الأحماض النووية تحدث باحتمالية تفوق ذوات الشريطين بأربعة أضعاف (Ridley 2001, P 91)، وهذا يعني زيادة احتمال فناء أشكال الحياة الدقيقة والقديمة، وعدم تفسير ظهور الأنواع الحديثة المعقدة ذات التنوع الوراثي الهائل.

وأود توضيح نقطة هامة لزملائي القراء، وهو أن ما تحدثت عنه سابقًا هو التطفر الذي يفلت من يد التصحيح، فالكائنات الحية محبوة بأجهزة تصحيح معقدة وظيفتها الأساسية البحث عن الطفرات وتحريرها! وما يتحدث عنه التطوريون من طفرات هو فيما يفلت منها فقط، ويكتفون بالإيمان بأن النذر اليسير من هذه الطفرات جيدة تفيد صاحبها وتسير عجلة التطور، والجزء الضخم الباقي من الطفرات ينقلها الانتقاء الطبيعي إلى القمامة، ولا ينتبهون إلى أن آلية التطفر العاملة والمجربة تختلف كليةً عن آيدليوجيتهم كما بينا سابقًا، فالطفرة -حتى الفالتة- ليست عشوائية الآلية بل لها اتجاه راجح نحو تدمير المعلومات وليس بنائها.


وأختم هذه الفقرة بأعظم اكتشاف وجه صفعة للدارونية الحديثة، وهو الكفاءة التفارقية في عمل أجهزة التصحيح القرائي للشريط الوراثي Proofreading، إذ لوحظ أن كفاءة التصحيح تزيد في المناطق المهمة من الشريط الوراثي (الحاملة للمعلومات) وتقل في القطع غير المترجمة (كالإنترونات)، وكلما زاد حمل التطفر زادت قدرتها على التصحيح!! (Freeman & Herron 2001)، وهذه الأماكن المقاومة للتطفر هي مهد التطور الوراثي الذي تقوم عليه الدارونية.



الطفرات ونشوء الأنواع والمعلومات


بالرغم من وجود أنظمة التصحيح، فما زالت الطفرات ذات تأثير تدميري للمعلومات الوراثية، فما بالنا بالأشكال العتيقة من الحياة التي لم تمتلك هذه الأجهزة؟ لاداع للإجابة.


إن افتراض نشوء الحياة من أصل واحد واستمرارها يتعارض مع قوانين الوراثة نفسها، لأن سقاطة ملر ستكون لها بالمرصاد (Muller’s Ratchet)، فالأشكال القديمة للحياة لا تعرف التكاثر الجنسي وبالتالي فإن كل طفرة ستنتقل إلى السلالة بشكل غير رجعي (ومن هنا شبهت بالسقاطة "الكماشة" حيث في كل طقة تسير السقاطة نحو القطع بلا رجعة، وستؤدي في النهاية إلى قطع الحياة)، ومن جهة أخرى فإن الانجراف الوراثي سيقتل الأفراد السليمين لتسود في النهاية الطفرات وتسير باتجاه واحد نحو التدمير المعلوماتي.


إن من أعجب الإجابات التي يقدمها التطوريون هنا هو التشكيك في وجود سقاطة ملر نفسها بدليل أن الحياة استمرت ولم تمنع سير التطور!!! ففكرة السقاطة خاطئة لأن التطور صحيح!!! إثبات دائري حشوي.


إن نجاة التطور من سقاطة ملر لم يحدث في الشكل الأول فقط، لأن كل نوع جديد يظهر سيبدأ من أصل واحد وسنعود لنفس المشكلة في مواجهة سقاطة ملر، إلا إذا افترض التطوريون أن جميع الأنواع اللاجنسية تطورت فجأة كمجموعة كبيرة العدد! أما في الأحياء الجنسية الأولى، فإن السقاطة ستعمل أيضًا على الأجزاء غير المختلطة (كالمورث الصبغي الذكري Y Chromosome) جنبًا إلى جنب مع الانجراف الوراثي والاستيلاد الداخلي حتى يفنى النوع.


لنأت الآن إلى بعض التعمق بخصوص نشوء المعلومات الوراثية الجديدة والمسؤولة عن التطور ونشوء الأنواع، ما مدى إنشاء الطفرات لمعلومات جديدة؟

بيرتان Bertan ولونج Long من رواد هذا المجال، ولهما أبحاث منشورة معنونة بـ"تخلق المورثات formation of new genes"، أليس هذا دليلاً على أن الطفرة يمكن أن تخلق معلومات جديدة؟ سنجيب: نعم بالتأكيد،، لكـــن....

إن هذه الطفرات لم تفسر خلق المورث من لا شيء de novo synthesis، بل أنتجت مورثات عن طريق تعديل المورثات السابقة، فلو استعرضنا قائمة لونج سنجد: خلط الأكسونات Exon shuffling، مضاعفة الجينات Gene duplication، الإرجاع Retroposition، العوامل القافزة mobile element، نقل الجين lateral gene transfer، اندماج الجينات gene fusion، وأخيرًا يكتب: تخلق الجين من غير سلف de novo synthesis، ولما كانت هذه الظاهرة هي الأساس عند اختزال تاريخ المورثات، كان واجبًا علينا التركيز عليها.


يصف لونج هذه الظاهرة بأنها نادرة جدًا، ويضع مثالاً عليها بتخلق المورث AFGP في الأسماك، وفي الحقيقة إن تخلق هذا المورث لم يأت صدفة من لا أصل، بل له أصل وهو مورث التريبسينوجين Trypsinogen، إلا أن الاخلاف الهائل بينهما دفع لونج إلى تصنيف هذه الطفرة بأنها "من لا أصل".

عندما تجمدت مياه القطب الجنوبي في الماضي السحيق، تكيفت الأسماك هناك Notothenoid مع تلك البرودة، حيث عملت ما يسميها التطوريون بـ "دوافع الانتقاء selective pressures" على خلق مورث ينتج بروتينًا يمنع التجمد في الأسماك! هذا المورث AFGP جاء من مورث سابق بهذا التعديل المتقن من بين مليارات التعديلات الممكنة:


طفرة حذف لثلثي الأكسونات،

ثم طفرة خلط وإزاحة للأحماض النووية frame shift،

ثم طفرة مضاعفة لبعض الأجزاء،

وأخيرًا طفرة إضافة لبعض الإنترونات..


هذه هي الآلية التي أنتجت فيها الطفرة التي يؤمن بها التطوريون معلومة جديدة حتمية للحياة، ولو أردنا حساب احتمال حدوث هذه الآلية بالذات -بغض النظر عن الظرف الزمكاني الذي أنشأها- فإننا بحاجة إلى متخصص في الرياضيات الإحصائية لتقدير ذلك.


زد على ذلك أن سمك القد الذي يعيش في القطب الشمالي يملك نفس البروتين المانع للتجمد، لكن هذا السمك لا يمت بصلة للسمك الأول وقد اكتسب هذه المعلومة الضرورية عن طريق طفرة غير الأولى في ظاهرة يسميها التطوريون بالتطور الالتقائي convergent evolution،فسبحان الصدفة!!

(LIANGBIAO CHEN, ARTHUR L. DEVRIES, AND CHI-HING C. CHENG 1997).


هذا مثال على منهج الدارونيين في التعامل مع تفسير التطور عن طريق وراثة العشائر، إن جسم الإنسان يحوي آلاف البروتينات منها مائة بروتين في ثقوب النواة فقط تترجم من حوالي 45 ألف مورث، وهذه المورثات تطورت من مورثات أصغر قدرها شيرمر(Shermer 2002 P 209) بترليون "مليون مليون" خطوة، كل خطوة تحتاج لأكثر من طفرة! هذا لإنتاج الإنسان فقط، فما بالنا ببقية الأحياء؟


تقدر مارجليس Margulis عدد الأنواع الحية الآن بثلاثة عشر مليون نوع، وهذه الأنواع تشكل فقط 1% من مجموع الأنواع التي خلقها التطور (99% قد انقرض)، فما عدد الطفرات الجيدة التي يجب أن تحدث لتنتج تعديلات على مورثات سابقة لتعطي بروتينات جديدة تميز هذه الأنواع (حيث أن كل جنس genus له بروتيناته الفريدة)؟ رقم فلكي قد يظنه الحاسوب خطأ في الحساب!


لماذا تفشل الطفرة في إيجاد تطور على المستوى الكبير Macroevolution؟ أليست الأحياء أمامنا وندرسها لنفهم العلم؟ أم أننا نفترض الفرضية ثم نحاول حشو المشاهدات فيها؟


إن بكتيريا عصوية القولون E Coli من أفضل الأمثلة التي "انتقيتها"، هذه البكتيريا تتمتع بصفات محببة للتطور الكبير وقابلة للتحقق من صحة هذه النظرية، هذه البكتيريا تتكاثر بسرعة هائلة (يحدث الانشطار كل 20 دقيقة) لدرجة أنه لو تكاثرت خلية واحدة فقط وقُدر لكل سلالتها البقاء فإنه بعد يومين ستغطي الكرة الأرضية (طبعًا هذا لا يحدث في الواقع لأن تكاثر البكتيريا يتبع منحنى معين بسبب شح الغذاء وعامل التراكم وغيرها)، بالإضافة لسرعة التكاثر، فإن لها نظام تصحيح تعيس يسمح بحدوث التطفر بشكل كبير (سرعة التطفر لكل جيل 0.0025)، وهي موجودة منذ أربعمائة مليون سنة، فماذا بقي لها كي لا تتطور على المستوى الكبير؟ 400 مليون سنة وكل الظروف متاحة لها ولا تتطور؟؟؟ كل ما حدث هو ظهور أنواع منها فقط strains تبقى في دائرة بكتيريا عصوية القولون.



الطفرة.. آلهة الفجوات!


لنتخيل وجود ملعب لكرة القدم في مباراة نهائية حيث يمتلئ الاستاد بالجمهور، لنتخيل وجود 60 ألف مشجع في هذا الملعب وأرادوا شرب الكولا معًا في نفس الوقت، ثم ظهرت -فجأة- آلة أوتوماتيكية أعطت كل مشجع علبة كولا وانتهت مهمتها في ثانية واحدة فقط... لو حلم شخص بهذا لاستدللنا على تعكر مزاجه، فما بالنا بمن يؤمن بهذا حقيقة؟


أنزيم الـ Gamma-Carbonic Anyhdrase هو هذه الآلة، إن من روائع علم الكيمياء الحيوية أن تتعرف على مثل هذه العجائب، فهذا الأنزيم وجد منذ بدء الخليقة تقريبًا (3-4 مليار سنة Roger S. Rowlett 2004)، وهو يعمل على خلق تفاعل كيميائي بهذه الكفاءة المذكورة بالمثال السابق (سرعة القولبة 6^10 turnover rate) ، ستون ألف مركب في الثانية الواحدة؟!!!

(Tina Iverson, Birgit Alber, Caroline Kisher, Douglas Rees 2000)


ولهذا الأنزيم عائلة كاملة من الأقرباء، ويختزلها علماء الكيمياء الحيوية في ثلاثة أقسام: ( ألفا) في الثديات) وبيتا (في النباتات والطحالب) و(جاما) في البكتيريا العتيقة، تصل سرعة القولبة لمجموعة الألفا لستمائة ألف مركب في الثانية الواحدة (أي إعطاء علبة كولا لكل شخص في البحرين مثلاً في ثانية واحدة فقط!! أو لو شبهنا المول الجزيئي بالكيلومتر، فسوف يسبق الضوء بضعفين )!! وظيفته الحفاظ على التوازن الحمضي الأساسي للحياة.


ومجموعة البيتا موجودة في النباتات وهي مجموعة قديمة أيضًا تشارك الجاما في قدمها، إلا أنه كان لها الفضل في نشوء الحياة إذ يدخل هذا الأنزيم في عملية التمثيل الضوئي!

إن قائمة أنواع هذا الأنزيم تطول لدرجة أنه يختلف بين أنواع البكتيريا، مما دفع التطوريين لتفسير ظهروها عن طريق التطور الالتقائي بعيدًا عن أصل المشترك، فسبحان الصدفة عما يصف الخلقيون!


إن من يعتقد بتخلق هذه الأنزيمات على الطريقة الدارونية يفقد هيبته من فرط حيدته عن المعقول والواقع، مجموعة آلات ظهرت فجأة وفي مرات عديدة وقلبت مناخ الأرض كله وسببت الحياة لكل الأنواع التي نراها ولها كفاءة يصعب تخيلها ويستحيل تصنيعها، كل هذا فعلته الصدفة؟ ليتفضل التطوريون ويضعوا شرحًا علميًا محترمًا يوضح آلية نشوء مورثات هذه الأنزيمات بالتفصيل ويوضحوا "دوافع الانتقاء" هذه وتعليل الربط بين عظم كفاءة هذه الأنزيمات وضرورتها في نشوء الحياة، هذا ما يعرفه العلم وليس مجرد "طفرة" حدثت في كل مرة.




نظرية التطور والتعقيد غير المُختزل


في عام 1996 طرح مايكل بيهي Michael Behe في كتابه "صندوق دارون الأسود" فكرة لا تفسرها نظرية التطور سماها "التعقيد غير المختزل Irreducible Complexity"، تقول هذه المعضلة أن هناك أنظمة تركيبية على المستوى الجزيئي مكونة من عدة أطراف لا تُختزل، بحيث لو فقد طرف واحد منها لانهار النظام، وبالتالي فإن هذا النظام لا يمكن أن ينشأ بشكل تدريجي بل يجب أن يظهر "دفعة واحدة" بكل محتوياته، ولما كانت الطفرات عاجزة عن إنتاج فإن هذه الأنظمة دليل على وجود مصمم خارجي أنتجها. ويذكر بيهي مثالاً على ذلك بمصيدة الفأر، فلو نزعت أو غيرت أي جزء منها لانهارت وتوقفت عن العمل، وبالتالي يجب أن تظهر من الأساس بهذا الشكل الدقيق، ثم يعرض الأدلة على ذلك بأهداب وأسواط البكتيريا، وجهاز الدفاع عند الخنفس القاصف bombardier beetle (إذا تعرض هذا الخنفس للخطر فإنه يقذف محلولاً على مفترسه يصل لدرجة الغليان)، بالإضافة إلى جهاز المناعة وتخثر الدم والنظام التكميلي المناعي complement system.


على مدى العشر سنين الماضية، والسجال قائم بين مدرستي التطور والمصمم الذكي في نقد التعقيد غير المختزل والدفاع عنه، وحتى لا يتحول الحوار هنا إلى نقل وترجمة لهذا الجدل فإنني سأركز على أطروحة بيهي ذاتها بدون التعرض للأدلة التي وضعها، فقد ثبت وجود أخطاء في أدلته فعلاً لكن ليس بالشكل الكامل.


إن المغالطة التي وقع فيها بيهي –برأيي الشخصي- تركيزه على الجانب التشريحي الجزيئي فقط، مثلاً لو نظرنا إلى الرقبة عند الإنسان فهي تركيب معقد يحوي الكثير من الأجزاء التي لو فقد واحد منها لمات الإنسان، وبالتالي فالرقبة تعقيد غير مختزل وتعني بالضرورة ظهورها مرة واحدة.

إلا أن الضفدع سينقض هذه المعضلة لأنه يعيش بلا رقبة، وهذا ما قدمه التطوريون في نقد أطروحة بيهي حيث أثبتوا أن النظام التكميلي المناعي مُختزل عند بعض الأسماك، وبالتالي يمكن له أن يظهر بشكل تدريجي.


إن معضلة التعقيد غير المختزل أعمق من هذا ولا تقتصر على الجانب التشريحي فقط بل تشمل الجانب الوظيفي وهي معضلة حقًا أمام التطور الذي يفترض التدريج، فالكائن الحي يمكن النظر إليه على أنه مجموعة من الأجهزة العاملة التي لو فقد منها واحد لانهار الكل –بغض النظر عن التركيب التشريحي لها-، فلو أزلنا جهاز الدوران لمات الكائن، ولو حذفنا أيًا من الجهاز العصبي أو التنفسي أو الإخراجي أو الغلافي أو الغذائي أو التناسلي (الخصية تاج التطور!) لفنى الكائن أيضًا، ورغم إمكانية اختزال الأشكال التشريحية و التركيبية لهذه الأجهزة بشكل أبسط إلا أنه لا يمكن للكائن الحي أن ينشأ إلا باجتماعها وهذا ما لا تفسره نظرية التطور.


ولهذه المعضلة أبعاد فلسفية تطال الغائية والهدف من وجود الأنظمة المركبة، فقدرة الإنسان على الكلام لم تحدث إلا باجتماع أجزاء مختلفة من التراكيب والوظائف التي لو حذفنا واحدًا منها لما نطق الإنسان، فلماذا تراكمت هذه التغيرات التشريحية والوظيفية في دماغ الإنسان وحنجرته وبلعومه وفمه ولسانه وأوتاره الصوتية وعضلاته مع بعضها البعض لتنحت في النهاية وظيفة جديدة هي القدرة على الكلام، في نفس الوقت الذي تطور فيه ذكاء الإنسان وبنيته التشريحية بشكل يحتاج إلى القدرة على الكلام أيضًا؟ هل كان اجتماع الضرورات أمرًا "ضالاً" ؟؟؟

ولا اعلم الي الان لما يتشدق الدروانين الجدد بهذه الحجج التافهه ؟؟؟!!!!!!
و السلام علي من اتبع الهدي

هناك تعليق واحد:

  1. جزاك الله خيرا . موضوع قيم .
    تعجز الكلمات عن شكرك

    ردحذف