الأربعاء، 24 أكتوبر، 2012

الكون يتحدي العشوائيه و الصدفه الجزء الثاني

القوة النووية الصغرى


تعتبر هذه القوة من القوى المؤثرة في الكون وتمتلك قيمة عددية ثابتة ودقيقة جدا، وهذه القوة موجودة في بعض جسيمات الذرة وتسبب النشاط الإشعاعي للمادة ويمكن لنا أن نعطي مثالا على هذا النشاط الإشعاعي بتحلل النيوترون الموجود في نواة الذرة إلى بروتون و إلكترون ونيوترون مضاد .

ويتضح لنا من خلال هذا المثال أن النيوترون الموجود في نواة الذرة ما هو إلا جسيم ذري ناتج من اتحاد بروتون و إلكترون ونيوترون مضاد، والقوة النووية الصغرى هي القوة التي تؤدي إلى انحلال النيوترون إلى الجسيمات الثلاثة التي تتكون منها، ولكنّ هذه القوة موجودة على شكل حساس وموزون لدرجة أن هناك توازنا في هذا النّشاط الإشعاعي. و لو كانت قيمة هذه القوة أكبر قليلا مما هي عليه لتحلّلت النيوترونات في الكون وندر وجودها فيه، أي لأصبح الهليوم نادرا في الكون منذ الانفجار العظيم لأن هذا العنصر يحمل نيوترونين في نواة ذرته، ويمكن القول أنه كان سينعدم وجوده بالمرة. والمعروف عن الهليوم أنه أخف العناصر في الوجود بعد الهيدروجين، وإذا انعدم الهليوم في الكون ينعدم تكون العناصر الثقيلة في جوف النجوم في أثناء التفاعلات داخل مراكز النجوم نتيجة التفاعلات النووية التي تطرأ على نوى ذرات الهيليوم، وهذا يعني أن الهليوم يعتبر مادة خام لإنتاج العناصر الأخرى أي أن انعدام الهليوم يؤدي إلى انعدام العناصر اللاّزمة لنشأة الحياة و استمراريتها.

ومن ناحية أخرى لو كانت قيمة القوة النووية الصغرى أصغر قليلا مما هي عليه لتحوّلت ذرّات الهيدروجين المصاحبة للانفجار العظيم إلى ذرات الهليوم ولزادت كميات العناصر الثقيلة في مراكز النجوم زيادة غير عاديّة، وهذه الزيادة تؤدي حتما إلى استحالة نشوء الحياة.





إنّ القوة الضعيفة التي تحملها جسيمات الذرة لها قيمة ذات حساسية فائقة وخلقت بهذه الكيفية لتلعب دورها في نشوء الكون


ومن ناحية أخرى لو كانت قيمة القوة النووية الصغرى أصغر قليلا مما هي عليه لتحوّلت ذرّات الهيدروجين المصاحبة للانفجار العظيم إلى ذرات الهليوم ولزادت كميات العناصر الثقيلة في مراكز النجوم زيادة غير عاديّة، وهذه الزيادة تؤدي حتما إلى استحالة نشوء الحياة.

وهناك عامل آخر يؤثر على مدى حساسية قيمة هذه القوة وهذا العامل يتمثل في تأثير هذه القوة على جُسيم ذرّي يدعى بـ’’النيوترينو’’، فالنيوترينوات هي الجسيمات التي تلعب دورا كبيرا في دفق العناصر الثقيلة و اللاّزمة للحياة و المتكونة في مراكز النجوم العملاقة إلى الفضاء السحيق.

وتعتبر القوة النووية الصغرى هي القوة الوحيدة التي تؤثر على جسيمات النيوترينو في الكون. وأيضا لو كانت هذه القوة أصغر قليلا مما هي عليه لأصبحت جسيمات النيوترينوات أكثر حرية في الحركة دون أن تتأثر بقوة جذب أي شيء، وهذا يعني أن هذه الجسيمات تستطيع أن تهرب من قوة جذب النّجوم العملاقة دون أن تتأثر بالطبقات الخارجية لهذه النجوم وبالتالي سيكون دفق العناصر الثقيلة إلى الفضاء مستحيلا. ولو كانت هذه القوة أكبر مما هي عليه لبقيت في مراكز النجوم قابعة فيه دون حراك وهذا يؤدي إلى صعوبة إطلاق العناصر الثقيلة المتكونة إلى الفضاء.

ويوضح بول ديفيس أن قوانين الفيزياء الأساسية والمؤثرة في الكون تحمل قيما معينة ومحددة لتناسب وتلائم حياة الإنسان، و إذا حدث أي تغيير طفيف في هذه القيم يتغير وجه الكون الحالي تغيرا ملحوظا، و يواصل قائلا:

ولما وجدنا نحن كبشر لنشاهد هذا الكون ... وكلّما استمر الإنسان في أبحاثه الفضائية اكتشف أموراً مثيرة لا يمكن تصديقها بالعقل الإنساني، وآخر ما توصل إليه الإنسان بشأن الانفجار العظيم يثبت أن الكون يتمدد بشكل دقيق وموزون لدرجة مثيرة للحيرة والإعجاب. 20

وتعتبر الأشعة الكونية دليلا قوياّ على حصول الانـفجار العظيم، وأوّل من اكتشف هذه الأشعة هما روبرت ويلسون وآرنوبنزياس الحاصلان على جائزة نوبل سنة 1965 ويقول آرنو بنزياس موضّحا هذا التخطيط والتصميم الخارقين للكون:

إنّ علم الفلك يقودنا إلى أمور غير عادية، إلى كون خلق من العدم، الكون الذي يحتوي على موازين دقيقة للغاية تكفي سببا لنشأة الحياة، أي أنّ الكون وجد بهذه الكيفية لتحقيق هذه الغاية. 21

ويقول البروفيسور روبرت جاسترو أستاذ الفيزياء النظرية في جامعة كولومبيا ‘’إنّ الكون بالنسبة إلى الفيزيائيين والفلكيين هو المكان المناسب لعيش الإنسان والمحدد بمجموعة من القيم الرّياضية تحديدا ضيقا للغاية، وهذا التعريف يدعى بـ’’{ المبدأ الإنساني} وتعتبر هذه النتيجة برأيي من أكثر النتائج التي توصل إليها العلم الحديث غموضا ‘’ 22

وكل ما أوضحناه في السّطور السابقة بشأن القوى الكونية المؤثرة من ناحية ثبات قيمها وتناسبها وتوازنها مع بعضها البعض بهذه الدّقة المتناهية يثبت لنا أنه لا تفسير لهذه الحقيقة باستخدام كلمة المصادفة وإنما التفسير الوحيد لها هو ‘’المعجزة’’ .ونستطيع أن نتثبت من كونها معجزة بإجراء القياسات التي تؤدي إلى نتائج ثابتة دائما ولا تتغير حتى بنسبة 1 إلى 100 أو 2 إلى ،100 إضافة إلى أن هذه الموازين الدقيقة هي نفسها لم تتغير حتى قبل وجود الإنسان أو وجود الحياة ولم تعان أي تغيير أو تحول في قيمتها وهذا يقوي من سلامة مفهوم المعجزة في تكونها، وهذا يعني أن الكون كما أوضح العلماء السّابقون منشأ ومستند إلى موازين دقيقة للغاية ومخلوق بشكل منتظم ومتقن للغاية. والادّعاء بأنّ المصادفة هي التي أوجدت هذا النظام المتوازن والمتقن يعتبر منافيا لقواعد العقل والمنطق حتما. والحقيقة أنّ هذا النظام المتوازن والموزون والمتقن لابد له من خالق ذي قدرة لا متناهية، والله سبحانه وتعالى هو الخالق والفاطر والمصور لهذا الكون .

الانسجام المعجز بين الإلكترون والبروتون

الانسجام بين الشحنات الكهربائية

إنّ البروتون أكبر من الإلكترون من ناحية الكتلة والحجم، فالبروتون يملك كتلة أكبر بـ1836مرة من كتلة الإلكترون، و لو أجرينا مقارنة مادية بينهما فإن الأمر يصبح كالمقارنة بين الإنسان وحبة البندق، ويمكن القول أنه ليس هنالك أي تشابه بين الإلكترون والبروتون .

والغريب أن هذين الجسمين بالرّغم من عدم تشابههما إلاّ أنهما يملكان نفس الكمية من الشحنة الكهربائية ولكن إحدى الشحنتين موجية والأخريسالبة، وكذلك تتميز الشحنتان بأنهما متساويتان من ناحية الشّدة، ولهذا السّبب تكون الذرة متعادلة الشحنة، والغريب هنا أن المتوقع أن تكون الشحنتان غير متكافئتين و لا يوجد أي مؤثر يجعلهما متساويتين بل المتوقع أن يكون الإلكترون أضعف شحنة من البروتون لكونه أصغر منه كتلة، وربّ سائل يسأل: يا ترى ماذا كان سيحدث لو كان الإلكترون غير متكافئ كهربائيا مع البروتون ؟

الجواب المنطقي أن تصبح جميع الذرات في الكون موجية الشحنة نتيجة وجود البروتون الموجب الشحنة، وهذا يؤدي إلى أن تصبح جميع الذرات متنافرة مع بعضها. ولو كان هذا الأمر حاصلا ماذا يصبح شكل الكون ؟ ماذا كان سيحدث يا ترى لو تنافرت الذرات مع بعضها البعض ؟

يحدث ما هو غير عادي بل أدهى من ذلك، ولنبدأ من التغييرات التي ستحدث في أجسامنا، فأول تغيير يحصل لحظة تنافر الذّرات مع بعضها البعض هو تمزق أيدينا التي تمسك بهذا الكتاب تمزقا فجائيا إربا إربا، وليست الأيدي فقط بل الأذرع والجذع والسّيقان و الرأس والعيون والأسنان، وبإيجاز فإنّ الجسم سيتمزق إلى أجزاء وأشلاء في لحظة واحدة، وحتى الغرفة التي نجلس فيها بل العالم الذي نشاهده من النافذة، من جبال و بحار و كذلك الكواكب الموجودة في المجموعة الشمسية و جميع الأجرام السّماوية في الكون تتلاشى في لحظة واحدة، و لا يمكن بعدها أن يتكون أي جسم مادي يمكن رؤيته بالعين المجردة، ويصبح الكون في النهاية عبارة عن تجمّع من الذرات المتنافرة مع بعضها البعض مشكلة عشوائية أو فوضى في كافة أرجاء الكون.

والسؤال الآخر الذي يطرح نفسه: ما هي نسبة التغيير في شحنة الإلكترون والبروتون كي تحدث مثل هذه الفوضى الشاملة ؟ هل إنّ التّغير بنسبة 1إلى 100يكفي سببا لحدوث هذه الكارثة ؟ أم النسبة اللازمة هي 1إلى 1000؟ويقول البروفيسور جورج كرينشتاين في كتابه ‘’ الكون التكافلي ‘’ في هذا الصدد:
لو حدث تفاوت بين شحنتين كهربائيتين بنسبة جزء من 100بليون جزء لكان كافيا لتشتت واضمحلال الإنسان والحجر وسائر المواد الصغيرة. وهذا المقياس أكثر حساسيةّ بالنسبة إلى الأجسام الكبيرة كالأرض والشمس لأنها تحتاج إلى تغيير بنسبة 1إلى بليون بليون فقط كي تضمحل.



إن البروتونات والإلكترونات التي تشكل الذرة ذات كتل مختلفة بصورة كبيرة إلاّ أنها خُلقت بنفس الكمية من الشحنة وبصورة إعجازية وهذا التطابق مهم جدا في الحفاظ على التوازن الكوني



لقد تم حساب عدد البروتونات والإلكترونات في الكون حسابا دقيقا جدا. ويمكن القول أنهما متساويتان في العدد مع وجود فارق ضئيل جدا يمكن إهماله .
إن هذا التساوي مهم جدا في الحفاظ على التوازن الكهرومغناطيسي للكون


الانسجام العددي

إنّ الانسجام أو التوافق العددي بين الإلكترون والبروتون يمكن اعتباره أمرا مهما جدا في الكون. إنّ هذا التوافق العددي يؤدي إلى حدوث توازن بين قوة الجاذبية وبين القوة الكهرومغناطيسية. وقد حدث في الفترة ما قبل انتهاء الثانية الأولى من خلق الكون أن قامت البروتونات المضادة بإنهاء وجود نفس العدد من البروتونات وما تبقى من هذه البروتونات يمثّل عددها في الكون. وحدث الشيء نفسه للإلكترونات. فقد هجمت البوزوترونات أي الإلكترونات المضادة على نفس العدد من الإلكترونات فما تبقى من الأخيرة هو عددها الحالي في الكون. والفرق بين الإلكترونات والبروتونات في الكون صغير بنسبة محيرة فهي لا تتجاوز نسبة 1 مقسوم على 10 قوة 37 أي يمكن القول أنهما متساويان عدديا في الكون.

إن هذا التوافق العددي مهم جدا لإحداث التّوازن الكهربائي في أرجاء الكون لأن أية زيادة في عدد إلكترونات أو البروتونات تؤدي إلى حصول تنافر بين الجسيمات المتشابهة الشحنة وابتعادها عن بعضها. وهذا يؤدي إلى إعاقة اتحاد الجسيمات دون الذرة مع بعضها لتشكيل الذرة وبالتالي استحالة تكون الأجسام السماوية وبمعنى آخر استحالة تكون المجرات والنجوم والكواكب ومن ضمنها كوكبنا الذي نعيش عليه الأرض.

الاحتمال المحير للعقول

لو فكرنا في كل الثوابت الفيزيائية التي يحويها هذا الكون الشّاسع والذي يمنحنا الحيز المناسب للعيش فيه لبرز أمامنا التساؤل الآتي: ماهي احتمالات نشوء مثل هذا الكون بالمصادفة؟ هل هي مساوية لـ1في البليون أم لـ1في التريليون التريليون أو رقم أصغر من ذلك بكثير ؟

إنّ هذه الاحتمالات قد تم حسابها من قبل البروفيسور البريطاني روجر بنروز prof.Roger Penroseالأخصائي في الرّياضيات - والزميل الحميم للعالم ستيفن هو كينج - وأثبتت حسابات الاحتمالات التي من الممكن حدوثها من ضمن النتائج المتعددة والمحتملة لما يحصل بعد الانفجار العظيم .




إنّ العدد 10قوة 3 يساوي ألفا، أما العدد 10قوة 10قوة 3 فيساوي الرقم واحد وأمامه ألف صفر .


والاحتمالات التي توصل إليها روجر نبروز مساوية لـ 1 مقسوم على 10 قوة 10 قوة 123 ! ومن الصّعب جدّا استيعاب هذا الرقم منطقيا، فالتّعبير الرياضي 10قوة 123 يعني العدد 1وأمامه مائة وثلاثة وعشرون صفرا، إنّ هذا الرقم أكبر من مجموع عدد الذّرات في الكو ن أي أكبر من 10 قوة 78 وبالطبع فإن هذا الرقم خيالي لأن الرّقم الذي توصل إليه روجر بنروز مساوي لـ1ومعه 10قوة 123صفرا. ويمكننا استيعاب مدى كبر هذا الرّقم من خلال أمثلة عديدة منها : أن 10قوة 3 يعني 1000 أمّا 10قوة 10قوة 3 فيعني 1و أمامه 1000صفر، والرقم الذي أمامه تسعة أصفار يساوي بليون ولو كان عدد الأصفار 12 فيساوي تريليون ولكن أمامنا رقم 1 وأمامه 10قوة123صفرا وهذا الرقم لا يوجد له تعريف رياضي ممكن .

وفي الرياضيات فإن أيّ احتمال أصغر من 1 مقسوم على 10 قوة 50 يمكن اعتباره صفرا، أمّا النتيجة السّابقة فهي احتمال أصغر من 1 مقسوم على10 قوة 50 بمقدار يساوي تريليون تريليون تريليون مرة. وبإيجاز فإن احتمال نشوء الكون مصادفة مستحيل قطعا، ويعلق البروفيسور بنروز على هذا الرقم الخيالي قائلا :

إن هذا الاحتمال أي العدد واحد مقسوم على 10 قوة 10 قوة 123 يعكس لنا مدى وضوح وبيان الإرادة الإلهية في هذا الأمر، فالرقم الذي تم التوصل إليه مدهش ومحير، فالمرء لا يستطيع أن يكتب أو يتعامل رياضيا مع رقم بهذا الكبر لأنه عليه في هذه الحالة أن يضع 10 قوة 123صفرا أمام العدد 1 . ولو وضع صفر على جميع البروتونات والنيوترونات الموجودة في الكون لما تم الوصول إلى هذا العدد من الأصفار بل بقي وراءه كثيرا .24

إن تحقق أكمل احتمال وأفضله من بين الاحتمالات الهائلة التي شرحناها بلسان علم الرياضيات لهو أفضل دليل وأقوى برهان على أن هذا الكون مخلوق. وبلا شك فإنّ الكون الذي نعيش فيه لم يأت نتيجة المصادفات العمياء أو سلوك الذرات غير العاقلة، فكل شيء في الكون حي أو غير حي ينطق بأنه مخلوق بقدرة الحي القيوم الذي لا شريك له .



قام البروفيسور البريطاني روجر بنروز ، العالم الرياضي بحساب احتمالية نشوء الكون بالمصادفة، وتناول جميع المتغيرات الفيزيائية في الكون باحتمالاتها المختلفة ومن ضمنها الانفجار العظيم ومدى ملاءمته لتشكيل وسط مناسب لنشوء الحياة فيه .

وتوصل إلى الاحتمالية الآتية : الاحتمال يساوي الرقم واحد مقسوما على رقم 10 قوة 10 قوة 123 .
إن هذا الرقم يصعب على المرء تصوره لأن الرقم 10 قوة 123 يساوي الرقم واحد وأمامه 123صفرا. وهذا الرقم( أي رقم 10 قوة 123)

أكبر من عدد ذرات الكون مجتمعة أي أكبر من 10قوة 78 وهي عدد الذرات الموجودة في الكون بأجمعه. أي أن عدد الأصفار الموجودة أمام الرقم واحد يزيد على عدد الذرات الموجودة في الكون.

ويقول روجر ‘’ لو رقّمنا كل بروتون ونيوترون موجود في الكون بالرقم صفر لما استطعنا كتابة الرقم الذي توصلنا إليه .

ثانيا

المجموعة الشّمسية والموازين الإعجازية في خلق الأرض

وَسَخَّرَ لَكُمْ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومُ مُسَخَّرَاتٌ بِأَمْرِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ. النحل /12

موقع المجموعة الشّمسية من المجرّة

إنّ مجموعتنا الشّمسية تحوي في جنباتها مقاييس وموازين وتوازنات مدهشة إلى جانب موقعها المتميز في مجرة درب التّبانة، والمدار الذي تدور فيه مجموعتنا الشمسية يقع على أطراف هذه المجرة ذات الشكل الحلزوني، وكما هو معلوم فإنّ هذه المجرة بسبب كونها حلزونية الشكل فهي ومثيلاتها من المجرات الأخرى تتميّز باحتوائها على أجرام سماوية تدور حول مركز كروي منتفخ ومرتّبة على أذرع طويلة لهذا الحلزون في مستوى واحد علما أنّ هذه الأذرع ملتوية بنفس الزّاوية، والفراغات الموجودة بين الأذرع الحلزونية تحتوي على بعض المجموعات النجمية، ولكنّ عددها قليل جدا يصل إلى العدم. ومجموعتنا الشمسية تعتبر من ضمن هذه المجموعات النجمية النادرة والتي تحتل موقعها بين أذرع الحلزون. ولكن ما أهمية كون موقع مجموعتنا الشمسية بين أذرع الحلزون المجري ؟

قبل كل شيء تتميز مجموعتنا الشمسية بموقع فريد من نوعه بعيدا عن الفضلات الكونية والغازات الموجودة في الأذرع الحلزونية للمجرة لذلك فإن السّماء تبدو صافية وواضحة، ولو كنا نحتل مكانا في أحد الأذرع لكانت السماء تبدو دائما مكسوة بما يجعلها غير شفافة إلى حد ملحوظ.

وفي هذا الصّدد يقول البروفيسور ما يكل دينتون في كتابه ‘’ مصير الطبيعة Nature’s Destiny’’ ما يأتي:

الحقيقة الأخرى التي تملك على المرء عقله هي تميز الكون بأنه ملائم لكشف مجاهيله وسبر أغواره فضلا عن كونه ملائما لنا من ناحية حاجياتنا البيولوجية لأنه يهيّئ لنا الوسط الملائم لنشأة الحياة ... والعامل المهم الذي يساعدنا كبشر في استكشاف جنبات الكون والتعرف على أسراره هو وقوع مجموعتنا الشمسية مجاورة لأحد أذرع مجرتنا، ولو كانت هذه المجموعة تقع في مركز إحدى المجرات لاستحال علينا استكشاف بنيان المجرة الحلزونية واستحال أيضا التعرف على الكون وجمع المعلومات عنه.

إنّ موقع المجموعة الشمسية في درب التبّانة يعتبر دليلا قاطعا على التصميم الخارق، ولو كان هذا الموقع غير الذي عليه لما نشأت الحياة على كوكبنا.

والمعروف عن النجوم التي تشغل حيزا ما من الأذرع الحلزونية للمجرات أنها لا تستطيع البقاء طويلا في ذلك الموضع. بل تكون نهايتها أن تنجذب نحو داخل هذه الأذرع، ولكن شمسنا تعتبر حالة استثنائية لأنها ما تزال قابعة في مكانها منذ 4,5 مليار سنة. ومصدر هذا الثبات الموقعي للشمس نابع من كونها إحدى النجوم النادرة التي تقع على نصف قطر الدوران المشترك للمجرة Galactic co-rotation radius.

ولأجل بقاء نجم ما ثابتا في موقعه بين ذراعين حلزونيين للمجرة يجب أن يكون على بعد معين من مركز المجرة أي واقعا على نصف قطر دوران المجرة إضافة إلى تحركه بنفس السّرعة المركزية لدوران الأذرع الحلزونية ، وهذا يعني أن شمسنا تعتبر متميزة عن باقي المليارات من النجوم التي توجد في مجرتنا من ناحية الموقع والسرعة. وكذلك يمكن القول إنّنا في أكثر الأماكن أمنا وصيانة.26لأننا نقع في الفراغات البينية الفاصلة بين الأذرع الحلزونية، وهذا الموقع يكون بعيدا إلى حد كبير عن تأثير الجاذبية التي تؤثر بها النجوم المكتضة في الأذرع وفي مركز المجرة والتي تؤثر على الكواكب وحركتها في أفلاكها .

الصفة الأخرى التي تتميز بها مجموعتنا الشمسية هي وقوعها بعيدا عن تأثيرات ومضاعفات الانفجارات التي تقع في’’ المستعرات العملاقة Super nova’’ وبالعكس فإنّ من المستحيل أن تبقى مجموعتنا الشمسية ومن ضمنها الأرض طوال 4 مليار سنة دون أي تأثير ملحوظ خارجي وهذه الفترة الزمنية كانت ضرورية كي تصبح الأرض ملائمة لنشوء الحياة.

ومن هذا المنطلق نستطيع أن نقول إنّ البشرية مدينة في حياتها و استمرارها لهذا الموقع الفريد والمتميز للمجموعة الشمسية، هذا الموقع الذي يسهل على الإنسان أن يستكشف الكون ويتعرف على آيات الله عز وجل في خلقه، وبتعبير آخر فإنّ الموقع المتميز للمجموعة الشمسية إلى جانب سمات القوانين الفيزيائية للكون يعتبر دليلا قويا على أن الكون مصمم لتأمين حياة الإنسان واستمرار هذه الحياة.

الموازين الدّقيقة للمجموعة الشمسية

من أهم الساحات التي تظهر فيها الموازين والنظم الدقيقة الموجودة في الكون هي المجموعة الشمسية التي توجد ضمنها أرضنا. إنّ النّظام الدقيق الموجود في المجموعة الشمسية بجميع كواكبها الصغيرة والكبيرة هو الذي مكنها من الاستمرار طوال 4 مليارات سنة.

يمثّل كوكب المشتري درعا واقيا للحياة على كوكب الأرض، ويؤدّي كوكب المشتري هذه المهمة الخطيرة عن طريق كتلته الضخمة وعن طريق مجاله المغناطيسي القوي، ويحول هذا الكوكب الضخم دون سقوط الآلاف من النيازك على كوكب الأرض والتي يؤدي سقوطها حتما إلى فناء البشرية.

تتألف مجموعتنا الشمسية من تسعة كواكب وتتبع هذه الكواكب أربعة وخمسون قمرا. ويمكن ترتيب هذه الكواكب حسب قربها من الشمس كما يلي: عطارد و الزّهرة و الأرض و المرّيخ و المشتري و زحل و نبتون و أورانوس و بلوتو. والكوكب الوحيد الذي يحتوي على غلاف جوي وسطح ملائم للحياة هو بلا شك كوكب الأرض. والعامل الذي يحمي الكواكب من تشتتها في الفضاء هو التوازن الموجود بين قوة جذب الشمس والقوة الطاردة المركزية للكواكب. فالشّمس بكتلتها العظيمة تؤثر على الكواكب بقوة جذب كبيرة جدّا ولكنّ الكواكب بدورانها حول نفسها توازن قوة الجذب بقوة الطرد المركزي وتتخلّص من جذب الشمس إلى حد ما، ولو كانت سرعة دوران الكواكب أقل مما هي عليه لانجذبت كليا نحو الشمس وابتلعت من قبلها مع انفجار كبير يحدث نتيجة البلع. ولو افترضنا العكس، أي لو كانت سرعة دوران الكواكب أكبر مما هي عليه عندئذ لن تكفي قوة الجذب الخاصة بالشمس لمسك الكواكب في مداراتها وبذلك تتشتت هذه الكواكب في الفضاء، إلاّ أنّ الواقع أن هناك توازنا بين القوتين يستند إلى دقّة فائقة تستمر بموجبها المجموعة الشمسية في البقاء.

ومن الجدير بالذكر أنّ هذا التوازن موجود لدى كل كوكب على حدة، وسبب ذلك اختلاف الكواكب من ناحية بعدها عن الشمس، وكذلك اختلافها من ناحية الكتلة، ولهذا السّبب فإنّ كلّ كوكب يحتاج إلى سرعة دوران معينة كي يتحقق التوازن المذكور، أي عدم الانجذاب كلّياّ نحو مركز الشّمس وكذلك عدم الانفلات في الفضاء. و لا شك أنّ هذا التوازن يفعل فعله بالتأكيد على كوكبنا الأرضي.

أمّا الأبحاث الفلكية فقد أثبتت في الآونة الأخيرة أنّ وجود الكواكب الأخرى يشكل عاملا مهما جدا في وجود الأرض في مدارها و ثباتها واستقرارها، وعلى سبيل المثال كوكب المشتري فهذا الكوكب يعتبر الأكبر من ناحية الكتلة ويعتبر وجوده مهما لحفظ توازن الأرض في حركتها ، وأثبتت الأبحاث الفلكية أن هذا الكوكب مهم لأحداث التوازن ليس للأرض فقط وإنما لباقي كواكب مجموعتنا الشمسية.

.

لقد خلقت جميع الكواكب في المجموعة الشمسية بكتل وأحجام ومسافات معيرة تعييرا دقيقا دون أي نقص أو قصور أو خطأ لتأمين التوازن في المجموعة الشمسية.

وهناك كواكب شبيهة بالمشتري في العديد من المجموعات النجمية الأخرى، إلاّ أنّ هذه الكواكب تختلف في أنها لا تشكّل عاملا لحفظ التوازن للمجموعة النجمية التي تنتمي إليها فضلا عن عدم كونها ذات تأثير على شقيقاتها من باقي كواكب تلك المجموعات النجمية. و في هذا الصّدد يقول الدكتور بيتر.د.وارد Dr.Peter D.Ward من جامعة واشنطن ‘’ إنّ كلّ الكواكب أشباه المشتري والممكن رؤيتها ثبت أنها غير ذات فاعلية إلاّ كوكب المشتري الموجود في مجموعتنا الشمسية. ويفترض في هذا الكوكب أن يكون كذلك وإلاّ كان سيحدث أمران: إمّا الوقوع في قلب الشمس أو الاندفاع نحو ظلام الفضاء ‘’27

وهناك أمر آخر متعلق بهذا الكوكب وهو احتمال اصطدام المذنّبات بالأرض وبأعداد كبيرة لولا كوكب المشتري لأنّه بكتلته العظيمة يشكل مجالا مغناطيسيا يستطيع أن يجعل النيازك والمذنبات تنحرف عن مسارها المتجه نحو الأرض، وبهذه الصّورة يؤدّي هذا الكوكب وظيفة الدّرع الواقي للأرض عن طريق عمل مظلة مغناطيسية عملاقة. وعن هذه الوظيفة الثانية لكوكب المشتري يقول جورج فثريل George Wetherill الأخصائي في علم الكواكب في مقال خاص له بعنوان ‘’المشتري هذا الكوكب المتميز ‘’:

لو لم يوجد كوكب المشتري في مكانه الذي هو فيه لأصبح احتمال اصطدام النيازك والكويكبات الموجودة بالقرب من الأرض أكثر بألف مرة من الاحتمال السّاري حاليا في الحسابات الفلكية... ولو لم يكن كوكب المشتري موجودا في مكانه الحالي ما كنا نوجد نحن البشر ولما كان في إمكاننا البحث عن أصل مجموعتنا الشمسية. 28

إنّ الثّنائي المتكون من الأرض والقمر لهما دور كبير في تحقيق التوازن في بنيان المجموعة الشّمسية، فلو لم يكن هذا الثنائي موجودا لأثرت الجاذبية الهائلة لكوكب المشتري على الكواكب الداخلية مثل عطارد والزهرة مؤدية إلى عدم الاستقرار فيهما، ويتحول هذا الأمر بمرور الزمن إلى اقتراب مدارات كل من هذين الكوكبين من بعضهما إلى درجة كبيرة جدا، وهذا التقارب يؤدي إلى انفلات كوكب عطارد من المجموعة الشمسية وتغير مدار كوكب الزهرة، وقد أثبت خبراء برمجة الكمبيوتر أن الكتل الخاصة بالكواكب ومداراتها حول الشمس هي المعطيات المثالية المسببة لهذا التوازن العجيب في مسار المجموعة الشمسية منذ مليارات السنين وأي تغيير في هذه المعطيات مهما كان طفيفا يؤدي حتما إلى انعدام وجودها وبالتالي انعدام وجود البشرية.

التوازنات في كوكب الأرض

ميل محور الأرض:

لو كان محور الأرض أكثر ميلانا مما هو عليه:

لكان التفاوت الحراري كبيرا جدا بين أرجاء الأرض المختلفة،

ولو كان محور الأرض أقل ميلانا مما هو عليه:

لحدث نفس التفاوت الحراري الكبير جدا بين أرجاء الأرض المختلفة.

سرعة دوران الأرض حول محورها:

لو كانت هذه السرعة أقل مما هي عليه:

لكان التفاوت الحراري كبيرا جدا بين الليل والنّهار،

و لو كانت هذه السرعة أكبر مما هي عليه:

لكانت الرياح المتحركة ضمن الغلاف الجوي تهب بسرعة كبيرة جدا، و بالتالي تغدو الحياة مستحيلة تحت تأثير الزوابع والأعاصير و الفيضانات المهلكة.

قوة الجذب المتبادلة بين الأرض و القمر:

لو كانت هذه القوة أكبر مما هي عليه:

لأثرت قوة الجذب العالية في القمر على ظروف الغلاف الجوي و على سرعة دوران الأرض حول محورها و كذلك على ظاهرة المد و الجزر في المحيطات تأثيرا بالغا،

ولو كانت هذه القوة أقل مما هي عليه:

لحدث تغيير كبير وشديد التاثير في الأقاليم المناخية للأرض.

الجاذبية الأرضية:

لو كانت الجاذبية الأرضية أقوى مما هي عليه:

لتسبب ذلك في تراكم المزيد من غاز الأمونياك و غاز الميثان في الغلاف الجوي، وبالتالي صعوبة الحياة على كوكب الأرض،

ولو كانت أضعف مما هي عليه:

لتسبب ذلك في فقدان الغلاف الجوي للكثير من الماء و بالتالي انعدام الحياة على هذا الكوكب.

بعد الأرض عن الشمس:

لو كان هذا البعد أكبر مما هو عليه:

لأصبحت الأرض شديدة البرودة و لأصيبت الدورة المائية بخلل كبير، و بالتالي يلفّ أرجاء هذا الكوكب عصر جليدي،

ولو كان هذا البعد أقل ممّا هو عليه:

لاحترقت الأرض بالحرارة القاتلة، و لأصاب دورة الماء في

سمك القشرة الأرضية:

لو كانت القشرة الأرضية أكثر سمكا مما هي عليه:

لحدث امتصاص كبير للأوكسيجين من الغلاف الجوي إلى القشرة،

ولو كانت هذه القشرة أقل سمكا ممّا هي عليه:

لانفجرت الحمم البركانية في كل مكان و بالتالي تنعدم الحياة على هذا الكوكب.

وقد نشرت المجلة الفلكية المشهورة عالميا The Astronomical Journal مقالا في نوفمبر 1998 بشأن آخر النتائج الخاصة بالأبحاث الفلكية حول المجموعة الشمسية وقد وردت العبارة التالية: ‘’ إنّ المكتشفات الأساسية التي توصلنا إليها بشأن المجموعة الشّمسية تفيد بأن الاتّزان والاستقرار الطويل الأمد الموجود فيها يستند إلى تصميم أساسي ويستوجبه’’

كمية غاز ثاني أكسيد الكاربون و الماء في الغلاف الجوي

لو كانت هذه الكمية

أكبر مما هي عليه:

لازدادت حرارة الغلاف الجوي زيادة كبيرة،

ولو كانت أقل مما هي عليه:

لانخفضت حرارة الغلاف الجوي انخفاضا كبيرا.

كمية الأوكسيجين في الغلاف الجوي:

لو كانت هذه الكمية أكبر مما هي عليه:

لاحترقت النباتات و المواد الهيدروكاربونية بسهولة كبيرة جدا،

و لو كانت هذه الكمية أقل مما هي عليه:

لانعدمت قدرة الأحياء على التنفس،

سمك طبقة الأوزون:

لو كانت هذه الطبقة أكثر سمكا مما هي عليه:

لانخفضت حرارة سطح الأرض انخفاضا كبيرا،

و لو كانت أقل ممّا هي عليه:

لارتفعت حرارة سطح الأرض ارتفاعا كبيرا و لانعدمت المقاومة نهائيا تجاه الأشعة فوق البنفسجية القادمة من الشمس.

المجال المغناطيسي للأرض:

لو كان أشد مما هو عليه:

لسبب رياحا كهرومغناطيسية شديدة جدا،

ولو كان أضعف مما هو عليه:

لضعفت مقاومة الأرض أمام الرياح الشمسية التي هي عبارة عن جسيمات مقذوفة من الشمس، وفي كلتا الحالتين تصبح الحياة مستحيلة على هذا الكوكب.

تأثير آلبيدو:

و هو نسبة الإشعاع الشمسي المنعكس من الأرض إلى الشعاع الواصل إليها من الشمس.) (

لو كان أكثر مما هو عليه:

لعمّ العصر الجليدي أرجاء الأرض بسرعة كبيرة،

ولو كان أقل مما هو عليه:

لبدأت آثار الحرارة الداخلية تظهر علاماتها بارتفاع كبير في الحرارة. وتبدأ الجبال الجليدية في الذوبان أول الأمر وبالتالي تعم الفيضانات كل مكان، ثم يتحول الكوكب إلى جسم محترق.

نسبة الأوكسيجين و

النيتروجين في الغلاف الجوي:

لو كانت نسبتها أكثر مما هي عليه:

لازدادت سرعة الفعاليات الحياتية بصورة تسبب لها ضررا بالغا،

ولو كانت أقل مما هي عليه:

لأبطأت هذه الفعاليات الحياتية بصورة تسبب لها ضررا بالغا أيضا.

إنّ العوامل التي ذكرناها تعتبر جزءا من الموازين الحساسة واللازمة لنشوء و استمرار الحياة على كوكبنا، وحتى هذا الجزء المذكور يعتبر دليلا على استحالة ظهور الكون والعالم مصادفة.

وملخص القول أن بناء هذه المجموعة الشمسية قد صمم بشكل خاص وخارق للعادة لكي يكون ملائما لحياة الإنسان. وقد وردت آيات كثيرة في القرآن الكريم تدعو الناس إلى التمعن في هذه الحقيقة المتعلقة بمعجزة الخلق و منها قوله تعالى:

وَسَخَّرَ لَكُمْ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومُ مُسَخَّرَاتٌ بِأَمْرِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُون النحل /12

التوازن الموجود في كوكب الأرض

إنّ مقدار حجم الأرض مهمّ جدا كأهمية بعدها عن الشمس وأهمية سرعة دورانها أو الشّكل الخارجي لها. وكبر الأرض هو بقدر ما يتلاءم مع وجود البشرية عليها و استمرارها بصورة متطابقة تماما من ناحية المقاييس المفترض وجودها، ولو قارنّا كتلة عطارد التي تشكل نسبة 8% من كتلة الأرض أو مع كتلة المشتري التي تكبر الأرض بمقدار 318مرة لوجدنا أن هذه الكواكب تختلف من حيث الكتلة اختلافا كبيرا. ويمكننا عبر هذه المقارنة أن ندرك بأنّ كتلة الأرض لها قيمة معينة هي الأمثل والأكثر ملاءمة وأن هذه القيمة لم تأت مصادفة قط. ولو تأمّلنا وتمعنا في مقاييس الكرة الأرضية لتوصلنا إلى كونها الأمثل والأنسب لمثل هذا الكوكب. ويعطي عالمان جيولوجيان أمريكيان هما بريس Press وسيفر Sieverمعلومات قيمة عن مدى ملاءمة مقاييس الأرض وأبعادها كما يلي:

إن نوع المعادن الثقيلة الموجودة في مركز الأرض ونسبها وسرعة تفاعلاتها تعتبر عوامل مهمة في تكون المجال المغناطيسي الواقي للأرض، ويعتبر هذا المجال كدرع واق للأرض من الإشعاعات المميتة والأجسام الخطيرة .

إنّ كبر الأرض هو بالضبط بقدر ما يفترض فيه أن يكون، ولو كان ذا قيمة أصغر لضعفت جاذبيتها ولما استطاعت أن تمسك الغلاف الجوي المحيط بها، ولو كان ذا قيمة أكبر لقامت بمسك الغازات السّامة أيضا ولتسمم غلافها الجوي وبالتالي تنعدم الحياة على سطحها .31

هناك عامل آخر يضاف إلى عامل الكتلة من جملة العوامل المتلائمة وهو عامل البناء الدّاخلي للأرض، فالطبقات المكونة لكوكب الأرض تكسبه مجالا مغناطيسيا يلعب دورا رئيسيا للحفاظ على حياتنا. ويعلق بريس وسيفر على هذا الأمر بالقول:

إنّ نواة الأرض تعتبر مولّدا للحرارة يستمد قوته عبر الإشعاعات النووية، وتتميز هذه النّواة بتوازن حسّاس جدّا... ولو كان هذا المولّد يعمل بشكل أبطأ لما استطاعت القارّات أن تتخذ شكلها الحالي ... وكذلك لما انصهر الحديد وبالتّالي لا يسيل نحو المركز ومن ثمّ لما تكوّن المجال المغناطيسي المعروف للأرض...ولو كان هذا المولد يعمل بسرعة أكبر مما هو عليه كافتراض لوجود وقود إشعاعي أكثر للأرض لتكونت السحب البركانية ملبدة السماء وحاجبة ضوء الشّمس مؤدية بذلك إلى زيادة كثافة الغلاف الجوي مع زيادة ملحوظة في الانفجارات البركانية والزلازل الأرضية

والمجال المغناطيسي الذي يتحدث عنه هذان العالمان مهم جدا بالنّسبة إليحياة البشر، وهذا المجال ناشئ من مكونات الأرض كما ذكر نا. فمركز الأرض يحتوي على عناصر ذات صفات مغناطيسية كالحديد والنيكل، ويتميز مركز الأرض بأنّه يتألف من جزأين: خارجي ويكون سائلا وآخر داخلي ويكون صلبا، وهذان الجزآن يدوران حول بعضهما البعض وينتج من هذا الدّوران نوع من الحثّ المغناطيسي على المعادن الثقيلة وبالتّالي ينشأ مجال مغناطيسي، ويمتد تأثير هذا المجال المغناطيسي حتى خارج الغلاف الجوّي للأرض ويشكل حزاما واقيا لهذا الكوكب يقيه من الأخطار القادمة من الفضاء الخارجي، ومن جملة هذه الأخطار الإشعاعات الكونية القادمة من النجوم والتي تعتبر مميتة طبعا ولا تستطيع أن تخترق هذا الحزام الواقي، ويمتد تأثير هذا الحزام حتى عشرات الآلاف من الكيلومترات في الفضاء الخارجي على شكل أحزمة مغناطيسية تدعى أحزمة فان آلين والتي تقي الأرض من الإشعاعات المميتة .

هناك أنواع من السّحب الكونية تدعى بالسّحب البلازمية و هي تجوب الكون وتقدر الطاقة التي تحملها بما يعادل 100 مليار ضعف للطّاقة التي تولدها قنبلة ذرية كالتي ألقيت على هيروشيما، وتستهدف الأرض أيضا الأشعة الكونية الشديدة جدا بين الحين والآخر، إلاّ أن هذه الأخطار لا تستطيع اختراق المجال المغناطيسي للأرض إلا بمقدار واحد بالألف فقط. وهذا الجزء الضئيل يتمّ امتصاصه من قبل الغلاف الجوّي. إنّ توليد هذا المجال المغناطيسي يتم عبر استهلاك طاقة كهربائية تقدر بمليار أمبير وهذا الرقم يعادل تقريبا مجموع الطاقة الكهربائية التي ولدها الإنسان عبر التاريخ، ولو لم يكن هذا الحزام المغناطيسي الواقي موجودا لكانت الأرض عرضة للإشعاعات الكونية المميتة وربما لم تكن هناك إمكانية كي تنشأ الحياة على هذا الكوكب أصلا، ولكن كما يقول العالمان بريس وسيفر إنّ مركز الأرض هو تماما حسب ما يجب أن يكون بالضبط. وهذا هو ما حفظ الأرض وصانها.

الفاصلات المنتظمة لحرارة اليابسة

إنّ العالمين الأمريكيّين فرانك بريس وريموند سيفر والمتخصصان في علم طبقات الأرض {الجيولوجيا} يلفتان الانتباه إلى حرارة اليابسة والمعايير المدهشة التي تنظّمها، ويقولان بهذا الصدد ‘’ إنّ الحياة ممكنة في حدود معينة وضيقة جدّا للحرارة وهذه الحدود محصورة في 1% من الخطّ الحراري الممتد من الصفر المطلق حتى درجة حرارة الشمس وحرارة الأرض موجودة ضمن هذه الحدود الضيقة ‘’ 33

إنّ الحدود الضيقة للحرارة لا يمكن المحافظة عليها إلا بوجود الأرض على بعدها الحالي المعروف عن الشّمس وكذلك تعتمد على كمّية الطاقة الحرارية التي تشعها الشمس. ووفق الحسابات العلمية فإنّ أيّ انخفاض في هذه الطاقة الحرارية الشمسية ولو بنسبة 10% يؤدي إلى تكون طبقات جليدية تغطي سطح الأرض وعلى سمك عدة أمتار، أمّا إذا حدث أي ارتفاع فهذا يؤدي إلى احتراق جميع الكائنات الحية وموتها.

إنّ من المهم أيضا أن يتم توزيع هذه الحرارة المناسبة للأرض بشكل متوازن داخل كوكب الأرض. وهذا التوازن يتوقف على عدة عوامل منها ميل محور لأرض بـ23درجة و 27 دقيقة، وهذا يؤدي إلى ضبط التفاوت الحراري في الغلاف الجوي بين منطقة خط الاستواء وبين القطبين، وتتم الحيلولة دون ارتفاع درجة الحرارة ارتفاعا شديدا. ولو لم يوجد هذا الميل لمحور الأرض لكان الفرق بين درجة حرارة خط الاستواء وبين درجة حرارة القطبين كبيرا جدا ولاستحال وجود غلاف جوي مساعد لنشوء الحياة على هذا الكوكب.

وهناك عامل آخر وهو دوران الأرض حول محورها بسرعة معينة. فهذا الدوران من العوامل المؤثرة على التوازن الحراريّ. فالأرض تكمل دورة واحدة حول محورها كل 24 ساعة وينتج عن هذا الدّوران اللّيل والنّهار، ولكون الدّوران المحوري للأرض سريعا إلى حدّ ما فإنّ اللّيل والنّهار يكون قصيرا، لذا يكون التفاوت الحراري بين الليل والنهار قليلا. و يمكن استيعاب هذه الحقيقة العلمية بإجراء مقارنة مع كوكب عطارد فهذا الكوكب يتميز بأنّ يومه أطول من سنته أي أنّ فترة دورانه حول محوره أطول من فترة إكماله لدورة واحدة في مداره حول الشمس، وينتج من هذا البطء الشّديد تفاوت شديد جدا في الحرارة بين الليل والنهار يصل إلى ألف درجة مئوية. كذلك يتوقف التوازن الحراري للأرض على التضاريس الموجودة على سطحها، فهناك فرق في الحرارة بين خطّ الاستواء وبين القطبين يصل إلى حد 100درجة مئوية، ولو كان سطح الأرض مستويا دون أية انحناءات أو ارتفاعات بين المناطق الاستوائية والقطبية فإن هذا الفرق الحراري بينهما كان سيؤدي حتما إلى هبوب زوابع هائلة تصل سرعتها إلى ألف كم في الساعة. ولكن الذي يحدث في الواقع أن الزوابع التي تحدث نتيجة هذا الفرق الحراري يكبح جماحها من قبل السلاسل الجبلية الموجودة في مختلف أنحاء اليابسة كالهمالايا في الصّين وسلسلة جبال طوروس في تركيا وجبال الآلب في أوروبا وتستمر هذه السلاسل حتى تلتقي بالمحيط الأطلسي غربا وبالمحيط الهادي شرقا. أمّا المحيطات فإنّها تلعب دورا حاسما في امتصاص الحرارة الزائدة في المنطقة الاستوائية وتوازنها عن طريق نقلها شمالا وجنوبا.

أمّا الغلاف الجوي فإنه يحتوي على آليات طبيعية في الحفاظ على التوازن الحراري، فعلى سبيل المثال إذا زادت الحرارة في منطقة ما تزداد عملية التبخر وبالتالي تتكون السّحب، وهذه السّحب تقوم بعكس جزء من الأشعة الحرارية القادمة من الشمس مؤدية إلى عدم السّخونة الزائدة للهواء الذي تحتها فضلا عن اليابسة.

إذن فعوامل مثل بعد الأرض عن الشّمس و دورانها حول محورها بسرعة معينة وميل هذا المحور بدرجة معينة ووجود تضاريس مختلفة الشكل تغطي سطح الأرض كلّها تؤثر بصورة مستقلة على التوازن الحراري للأرض وعلى ثبات الحدود المعينة للحرارة والملائمة لحياة الإنسان.

هناك بعض من لا يريد الاعتراف بحقيقة أن بعد الأرض عن الشمس مصمم ومخطط بدقة كبيرة فيقولون:’’ توجد في الكون نجوم أكبر أو أصغر من الشمس. ومن الممكن أن تملك هذه النجوم مجموعاتها الشمسية الخاصة بها. فإن كانت هذه النجوم أكبر من الشمس فإن الكوكب الملائم للحياة يجب أن تبعد عن ذلك النجم أي عن شمسها بمسافة أكبر من مسافة الأرض عن الشمس. فمثلا إن كان هناك كوكب بحجم بلوتو يدور حول نجم عملاق آحمرفإن جو هذا الكوكب يكون دافئا وملائما للحياة مثل كوكبنا تماما’’

إنّ وجهة النظر السابقة غير صحيحة من ناحية مهمة وهي: لأنها لا تحسب حساب التناسب الموجود بين كتلة نجم وبين نوعية الإشعاع الصادرة منه. لأن هناك عاملا مؤثرا ورئيسا يلعب دوره في موجة الإشعاع الصادرة من أي نجم وهذا العامل هو كتلة النجم المشع إضافة إلى درجة حرارة سطحه التي تتناسب طرديا مع كتلته، فشمسنا تشع الإشعاعات فوق البنفسجية وضوءا مرئيا وأشعة تحت الحمراء نتيجة كون درجة حرارة سطحها 6000 درجة مئوية تقريبا فلو كانت كتلة الشمس أكبر مما هي عليه لكانت درجة حرارة سطحها أعلى.

و في هذه الحالة ترتفع مستويات الطاقة للإشعاعات الصادرة من سطحها وتزداد عملية الإشعاع للضوء فوق البنفسجي والذي يتميز بتأثيره المميت. وهذا التفسير يقودنا إلى استنتاج بأنّ النّجم الملائم لنشأة الحياة في مجموعتها ينبغي أن يكون له كتلة مقاربة لكتلة شمسنا. ولنشأة الحياة في أحد الكواكب التابعة لهذا النجم ينبغي أن يكون ذا بعد عن شمسه بقدر بعد الأرض عن الشمس، وبتعبير آخر فإن أيّ كوكب تابع إلى نجم أحمر عملاق أو أزرق أو أي نجم يختلف اختلافا ظاهرا عن شمسنا من حيث الكتلة لا يمكن له أن يكون موطنا للحياة، فالنجم الوحيد الذي يمكن اعتباره موطنا لنشوء الحياة هو الشّبيه بشمسنا، والبعد المثالي لنشأة الحياة على أي كوكب تابع لمثل هذا النجم هو بعد الأرض عن الشمس.

بعد ما تقدم نستنتج أن الأرض والشمس وما يتعلق بهما من ناحية البعد بينهما ومدارتهما وميلهما والإشعاع الصادر والضوء وكل شيء يتعلق بهما مخلوق بالعناية الإلهية كي تنشأ الظروف الملائمة لحياة الإنسان، ويمكن اعتبار المسافة الفاصلة بينهما معجزة. وهناك تفاصيل أخرى و بالآلاف للعلاقة بين الأرض والشمس وكلها موجودة وتحتوي على المقاييس المضبوطة واللازمة لحياة الإنسان وهي تعتبر مجموعة من المعجزات لا يمكن أن يستوعبها العقل الإنساني بسهولة. وشيء من هذا القبيل لا يمكن له أن ينشأ مصادفة، فلا يمكن القول بالمرة أن المصادفة هي السّبب كي تتجمع الذرات غير العاقلة لتشكل الأجرام السماوية ولتأخذ مواقعها المناسبة في الكون ولتحتوي على أفضل الظروف المناسبة لنشأة الحياة. وهذه الحقائق الكونية ليست إلا دليل قاطع على قدرة الله عز وجل على الخلق فهو يقول للشيء كن فيكون. و في آيات الذكر الحكيم ما يدعو الإنسان إلى التفكير والتدبر في آيات الله الموجودة في الأرض والسماوات و ما يدعوه إلى أن يحمده ويشكره على هذه النعم .قال تعالى:

إِنَّ رَبَّكُمْ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِين الأعراف /54

وَسَخَّرَ لَكُمْ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ دَائِبَيْنِ وَسَخَّرَ لَكُمْ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَآتَاكُمْ مِنْ كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ الْإِنسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّار إبراهيم/33-34

توجد سمات ومزايا خاصة لكوكب الأرض كبعده عن الشمس بمسافة معينة و دورانه حول محوره بسرعة معينة و ميل محوره والتضاريس التي تغطي سطحه. وكلها تعتبر سمات ومزايا حيوية تجعل هذا الكوكب ذا حرارة مناسبة لنشوء الحياة عليه فضلا عن حصول توازن حراري بين أرجائه المختلفة .

يتبع.....

هناك تعليقان (2):

  1. جزاك الله الفردوس الاعلى من الجنة بارك الله فيك واسأل الله ان يجعل هذا المجهود في ميزان حسناتك صدقة جاريه وان ينفع بك وبعلمك الإسلام والمسلمين

    ردحذف
  2. الله الله الله شو هاد يعطيك العافية جهودك مشكورة تابع...

    ردحذف